بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ويسن تعجيل الإفطار إذا غربت الشمس هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال : وتعجيل الإفطار إذا غربت الشمس أحب إلينا لما روينا من الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم : { ثلاث من سنن المرسلين } وذكر من جملتها تعجيل الإفطار .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 106 ] أنه قال : { لا تزال أمتي بخير ما لم ينتظروا للإفطار طلوع النجوم } ولتأخير يؤدي إليه ، ولو شك في غروب الشمس لا ينبغي له أن يفطر لجواز أن الشمس لم تغرب فكان الإفطار إفسادا للصوم ، ولو أفطر وهو شاك في غروب الشمس ولم يتبين الحال بعد ذلك أنها غربت أم لا لم يذكره في الأصل ولا القدوري في شرحه مختصر الكرخي ، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي : أنه يلزمه القضاء ، فرق بينه وبين التسحر .

ووجه الفرق أن هناك الليل أصل فلا يثبت النهار بالشك فلا يبطل المتيقن به بالمشكوك فيه ، وههنا النهار أصل فلا يثبت الليل بالشك ، فكان الإفطار حاصلا فيما له حكم النهار ، فيجب قضاؤه ، ويجوز أن يكون ما ذكره القاضي جواب الاستحسان احتياطا .

فأما في الحكم المار وهو القياس أن لا يحكم بوجوب القضاء لأن وجوب القضاء حكم حادث لا يثبت إلا بسبب حادث وهو إفساد الصوم وفي وجوده شك وعلى هذا يحمل اختلاف الروايتين في مسألة التسحر بأن تسحر وأكبر رأيه أن الفجر طالع ولو أفطر وأكبر رأيه أن الشمس قد غربت فلا قضاء عليه لما ذكرنا أن غالب الرأي حجة موجبة للعمل به ، وأنه في الأحكام بمنزلة اليقين ، وإن كان غالب رأيه أنها لم تغرب فلا شك في وجوب القضاء عليه لأنه انضاف إلى غلبة الظن حكم الأصل وهو بقاء النهار فوقع إفطاره في النهار فيلزمه القضاء ، واختلف المشايخ في وجوب الكفارة قال بعضهم : تجب لما ذكرنا أن غالب الرأي نزل منزلة اليقين في وجوب العمل ، كيف وقد انضم إليه شهادة الأصل وهو بقاء النهار ، وقال بعضهم : لا تجب وهو الصحيح لأن احتمال الغروب قائم فكانت الشبهة ثابتة وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية