صفحة جزء
[ ص: 155 ] 148

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة

ذكر خروج حسان بن مجالد

وفيها خرج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني . ومالك هذا هو أخو مسروق بن الأجدع . وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية تسمى بافخارى قريب من الموصل على دجلة ، فخرج إليه عسكر الموصل ، وعليها الصقر بن نجدة ، وكان قد وليها بعد حرب بن عبد الله ، فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل إلى الجسر .

وأحرق الخوارج أصحاب حسان السوق هناك ونهبوه .

ثم إن حسانا سار إلى الرقة ومنها إلى البحر ودخل إلى بلد السند ، وكانت الخوارج من أهل عمان يدخلونهم ويدعونهم ، فاستأذنهم في المصير إليهم ، فلم يجيبوه ، فعاد إلى الموصل ، فخرج إليه الصقر أيضا ، والحسن بن صالح بن حسان الهمداني ، وبلال القيسي ، فالتقوا فانهزم الصقر ، وأسر الحسن بن صالح وبلال ، فقتل حسان بلالا ، واستبقى الحسن لأنه من همدان ، ففارقه بعض أصحابه لهذا .

وكان حسان قد أخذ رأي الخوارج عن خاله حفص بن أشيم ، وكان من علماء الخوارج وفقهائهم .

ولما بلغ المنصور خروج حسان قال : خارجي من همدان ؟ قالوا : إنه ابن أخت حفص بن أشيم . فقال : فمن هناك ؟ وإنما أنكر المنصور ذلك لأن عامة همدان شيعة لعلي ، وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها .

فأحضر أبا حنيفة ، و ابن أبي ليلى ، و ابن شبرمة ، وقال لهم : إن أهل الموصل شرطوا إلي أنهم لا يخرجون علي ، فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم ، وقد خرجوا .

فسكت أبو حنيفة وتكلم الرجلان وقالا : رعيتك ، فإن عفوت فأهل ذلك أنت ، وإن عاقبت فبما يستحقون . فقال لأبي [ ص: 156 ] حنيفة : أراك سكت يا شيخ ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، أباحوك ما لا يملكون ، أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين ، أكان يجوز أن توطأ ؟ قال : لا ! وكف عن أهل الموصل وأمر أبا حنيفة وصاحبيه بالعود إلى الكوفة .

ذكر استعمال خالد بن برمك

وفيها استعمل المنصور على الموصل خالد بن برمك .

وسبب ذلك أنه بلغه انتشار الأكراد بولايتها وإفسادهم ، فقال : من لها ؟ فقالوا : المسيب بن زهير ، فأشار عمارة بن غمرة بخالد بن برمك ، فولاه وسيره إليها ، وأحسن إلى الناس ، وقهر المفسدين وكفهم ، وهابه أهل البلد هيبة شديدة مع إحسانه إليهم .

[ ولادة الفضل بن يحيى ] وفيها ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك لسبع بقين من ذي الحجة قبل أن يولد الرشيد بن المهدي بسبعة أيام ، فأرضعته الخيزران أم الرشيد بلبن ابنها ، فكان الفضل بن يحيى أخا الرشيد من الرضاعة .

ولذلك يقول سلم الخاسر :


أصبح الفضل والخليفة هارو ن رضيعي لبان خير النساء

.

وقال أبو الجنوب :


كفى لك فضلا أن أفضل حرة     غذتك بثدي والخليفة واحد

.

ذكر ولاية الأغلب بن سالم إفريقية

لما بلغ المنصور خروج محمد بن الأشعث من إفريقية بعث إلى الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي عهدا بولاية إفريقية .

وكان هذا الأغلب ممن قام مع أبي مسلم الخراساني ، وقدم إفريقية مع محمد بن الأشعث ، فلما أتاه العهد قدم القيروان في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائة وأخرج جماعة من قواد المضرية ، وسكن الناس .

وخرج عليه أبو قرة في جمع كثير من البربر ، فسار إليه الأغلب ، فهرب أبو قرة من غير قتال ، وسار الأغلب يريد طنجة ، فاشتد ذلك على الجند وكرهوا المسير وتسللوا عنه إلى القيروان ، فلم يبق معه إلا نفر يسير .

[ ص: 157 ] وكان الحسن بن حرب الكندي بمدينة تونس ، وكاتب الجند ودعاهم إلى نفسه ، فأجابوه ، فسار حتى دخل القيروان من غير مانع .

وبلغ الأغلب الخبر فعاد مجدا ، فقال له بعض أصحابه : ليس من الرأي ( أن تعدل [ إلى ] لقاء العدو في هذه العدة القليلة ، ولكن الرأي أن تعدل إلى قابس ، فإن أكثر من معه يجيء إليك ، لأنهم إنما كرهوا المسير إلى طنجة لا غير وتقوى بهم وتقاتل عدوك .

ففعل ذلك وكثر جمعه وسار إلى الحسن بن حرب ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الحسن وقتل من أصحابه جمع كثير ، ومضى الحسن إلى تونس ( في جمادى الآخرة سنة خمسين ومائة ) ، ودخل الأغلب القيروان .

وحشد الحسن وجمع فصار في عدة عظيمة ، فقصد الأغلب ، فخرج إليه الأغلب من القيروان ، فالتقوا واقتتلوا ، فأصاب الأغلب سهم فقتله ، وثبت أصحابه ، ( فتقدم عليهم المخارق بن غفار ، فحمل المخارق على الحسن ، وكان في ميمنة الأغلب ، فهزمه ، فمضى منهزما إلى تونس في شعبان سنة خمسين ومائة .

وولي المخارق إفريقية في رمضان ، ووجه الخيل في طلب الحسن ، فهرب الحسن من تونس إلى كنايه فأقام شهرين ، ثم رجع إلى تونس ، فخرج إليه من بها من الجند فقتلوه .

( وقد قيل : إن الحسن قتل بعد قتل الأغلب ، لأن أصحاب الأغلب ثبتوا بعد قتله ) في المعركة ، فقتل الحسن بن حرب أيضا ، وولى أصحابه منهزمين وصلب الحسن ، ودفن الأغلب وسمي الشهيد ، وكانت هذه الوقعة في شعبان سنة خمسين ومائة .

ذكر الفتن بالأندلس

في هذه السنة خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بالأندلس بمدينة لبلة .

وسبب ذلك أنه سكر يوما ، فتذكر من قتل من أصحابه اليمانية مع العلاء ، وقد ذكرناه ، فعقد لواء ، فلما صحا رآه معقودا فسأل عنه فأخبر به ، فأراد حله ثم قال : ما كنت لأعقد لواء ثم أحله بغير شيء ! وشرع في الخلاف ، فاجتمعت اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلب عليها وكثر جمعه .

فبادره عبد الرحمن صاحب الأندلس في جموعه ، فامتنع [ ص: 158 ] المطري في قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، فحصره عبد الرحمن فيها ، وضيق عليه ، ومنع أهل الخلاف من الوصول إليه .

وكان قد وافقه على الخلاف غياث بن علقمة اللخمي ، وكان بمدينة شذونة ، وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل يريدون إمداد المطري ، وهم في جمع كثير .

فلما سمع عبد الرحمن ذلك سير إليهم بدرا مولاه في جيش ، فحال بينهم وبين الوصول إلى المطري ، فطال الحصار عليه وقلت رجاله بالقتل ، ففارقه بعضهم ، فخرج يوما من القلعة وقاتل وقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن .

فقدم أهل القلعة عليهم خليفة بن مروان ، فدام الحصار عليهم ، فأرسل أهلها يطلبون الأمان من عبد الرحمن ليسلموا إليه خليفة ، فأجابهم إلى ذلك وآمنهم ، فسلموا إليه الحصن وخليفة ، فخرب الحصن وقتل خليفة ومن معه .

ثم انتقل إلى غياث ، وكان موافقا للمطري على الخلاف ، فحصرهم وضيق عليهم ، فطلبوا الأمان فآمنهم إلا نفرا كان يعرف كراهتهم لدولته ، فإنه قبض عليهم ، وعاد إلى قرطبة ، فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدي بكورة جيان ، فاجتمعت إليه جموع ، فأغار على قرطبة ، فسير إليه عبد الرحمن جيشا ، فتفرق جمعه ، فطلب الأمان ، فبذله له عبد الرحمن ووفى له .

ذكر عدة حوادث

وفيها عسكر صالح بن علي بدابق ولم يغز .

وحج بالناس أبو جعفر المنصور ، وكان ولاة الأمصار من تقدم ذكرهم .

[ الوفيات ]

وفيها مات سليمان بن مهران الأعمش ، وكان مولده سنة ستين . وفيها مات جعفر بن محمد الصادق ، وقبره بالمدينة يزار ، وهو وأبوه وجده في قبر [ ص: 159 ] واحد مع الحسن بن علي بن أبي طالب .

وفيها مات زكرياء بن أبي زائدة . وأبو أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب مولى قيس بن سعد بن عبادة ، وقيل غير ذلك ، وكان مولده سنة تسعين . وعبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، ويقال مولى تميم ، وهو ثقة .

ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي . ومحمد بن الوليد الزبيدي . ومحمد بن عجلان المدني . وعوام بن حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني الواسطي . ويحيى بن أبي عمرو السيباني ، من أهل الرملة .

( سيبان : بالسين المهملة ، ثم بالياء المثناة من تحت ، ثم بالباء الموحدة : بطن من حمير ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية