صفحة جزء
[ ص: 589 ] ذكر الحرب بين بني عمرو بن عوف وبني الحارث وهو يوم السرارة

ثم إن بني عمرو بن عوف من الأوس وبني الحارث من الخزرج كان بينهما حرب شديدة .

وكان سببها أن رجلا من بني عمرو قتله رجل من بني الحارث ، فغدا بنو عمرو على القاتل فقتلوه غيلة ، فاستكشف أهله فعلموا كيف قتل ، فتهيأوا للقتال وأرسلوا إلى بني عمرو بن عوف يؤذنونهم بالحرب ، فالتقوا بالسرارة ، وعلى الأوس حضير بن سماك والد أسيد بن حضير ، وعلى الخزرج عبد الله بن سلول أبو الحباب الذي كان رأس المنافقين . فاقتتلوا قتالا شديدا صبر بعضهم لبعض أربعة أيام ، ثم انصرفت الأوس إلى دورها ففخرت الخزرج بذلك . وقال حسان بن ثابت في ذلك :

فدى لبني النجار أمي وخالتي غداة لقوهم بالمثقفة السمر     وصرم من الأحياء عمرو بن مالك
إذا ما دعوا كانت لهم دعوة النصر     فوالله لا أنسى حياتي بلاءهم
غداة رموا عمرا بقاصمة الظهر



وقال حسان أيضا :

لعمر أبيك الخير بالحق ما نبا     علي لساني في الخطوب ولا يدي
لساني وسيفي صارمان كلاهما     ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي
فلا الجهد ينسيني حيائي وعفتي     ولا وقعات الدهر يفللن مبردي
أكثر أهلي من عيال سواهم     وأطوي على الماء القراح المبرد



ومنها :

وإني لمنجاء المطي على الوجى     وإني لنزال لما لم أعود
وإني لقوال لذي اللوث مرحبا     وأهلا إذا ما ريع من كل مرصد


[ ص: 590 ] وإني ليدعوني الندى فأجيبه     وأضرب بيض العارض المتوقد
فلا تعجلن يا قيس واربع فإنما     قصاراك أن تلقى بكل مهند
حسام وأرماح بأيدي أعزة     متى ترهم يا ابن الخطيم تلبد
أسود لدى الأشبال يحمي عرينها     مداعيس بالخطي في كل مشهد



وهي أبيات كثيرة . فأجابه قيس بن الخطيم :

تروح عن الحسناء أم أنت مغتدي     وكيف انطلاق عاشق لم يزود
تراءت لنا يوم الرحيل بمقلتي     شريد بملتف من السدر مفرد
وجيد كجيد الريم حال يزينه     على النحر ياقوت وفص زبرجد
كأن الثريا فوق ثغرة نحرها     توقد في الظلماء أي توقد
ألا إن بين الشرعبي وراتج     ضرابا كتجذيم السيال المصعد
لنا حائطان الموت أسفل منهما     وجمع متى تصرخ بيثرب يصعد
ترى اللابة السوداء يحمر لونها     ويسهل منها كل ربع وفدفد
فإني لأغنى الناس عن متكلف     يرى الناس ضلالا وليس بمهتد
لساء عمرا ثورا شقيا موعظا     ألد كأن رأسه رأس أصيد
كثير المنى بالزاد لا صبر عنده     إذا جاع يوما يشتكيه ضحى الغد
وذي شيمة عسراء خالف شيمتي     فقلت له دعني ونفسك أرشد
فما المال والأخلاق إلا معارة     فما اسطعت من معروفها فتزود
متى ما تقد بالباطل الحق يأبه     فإن قدت بالحق الرواسي تنقد
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه     ضللت وإن تدخل من الباب تهتد



وهي طويلة .

[ ص: 591 ] وقال عبيد بن ناقد :

لمن الديار كأنهن المذهب     بليت وغيرها الدهور تقلب



يقول فيها في ذكر الوقعة :

لكن فرار أبي الحباب بنفسه     يوم السرارة سيء منه الأقرب
ولى وألقى يوم ذلك درعه     إذ قيل جاء الموت خلفك يطلب
نجاك منا بعدما قد أشرعت     فيك الرماح ، هناك شد المذهب



وهي طويلة أيضا . وأبو الحباب هو عبد الله بن سلول .

التالي السابق


الخدمات العلمية