صفحة جزء
[ ص: 420 ] 75

ثم دخلت سنة خمس وسبعين

في هذه السنة غزا محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش .

ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق

في هذه السنة ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان ، فأرسل إليه عبد الملك بعهده على العراق وهو بالمدينة ، وأمره بالمسير إلى العراق ، فسار في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار ، فجأة ، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج ، فبدأ الحجاج بالمسجد ، فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال : علي بالناس ، فحسبوه وأصحابه خارجية ، فهموا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم ، فاجتمع الناس وهو ساكت قد أطال السكوت ، فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد [ أن ] يحصبه بها وقال : قاتله الله ما أغباه وأذمه ! والله إني لأحسب خبره كروائه . فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء تنتثر من يده وهو لا يعقل به ، قال : ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال :


أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني



[ ص: 421 ] أما والله إني لأحمل الشر محمله ، وأحذوه بنعله ، وأجزيه بمثله ، وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها ، إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى :

قد شمرت عن ساقها تشميرا     هذا أوان الحرب فاشتدي زيم
قد لفها الليل بسواق حطم     ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم



ثم قال :

قد لفها الليل بعصلبي     أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي     ليس أوان بكرة الخلاط
جاءت به والقلص الأعلاط     تهوي هوي سابق الغطاط



إني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين ، ولا يقعقع لي بالشنان ، ولقد فررت عن ذكاء ، وجريت إلى الغاية القصوى . ثم قرأ : [ ص: 422 ] وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، وأنتم أولئك وأشباه أولئك ، إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته ، فعجم عيدانها ، فوجدني أمرها عودا ، وأصلبها مكسرا ، فوجهني إليكم ، ورمى بي في نحوركم ، فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق ، فإنكم طالما أوضعتم في الشر ، وسننتم سنن الغي ، فاستوثقوا واستقيموا ، فوالله لأذيقنكم الهوان ، ولأمرينكم به حتى تدروا ، ولألحونكم لحو العود ، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تذلوا ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا ، ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا ، إني والله ما أعد إلا وفيت ، ولا أخلق إلا فريت ، فإياي وهذه الجماعات ، فلا يركبن رجل إلا وحده ، أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف ، ولتدعن الإرجاف ، وقيلا وقالا وما تقول وما يقول وأخبرني فلان ، أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده ! فيم أنتم وذاك ؟ والله لتستقيمن على الحق ، أو لأضربنكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى ، والولدان يتامى ، حتى تذروا السمهى ، وتقلعوا عن ها وها ، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي فيء ، ولا قوتل عدو ، ولعطلت الثغور ، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا !

وقد بلغني رفضكم المهلب ، وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين ، وإني [ ص: 423 ] أقسم بالله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه ، وأنهبت داره !

ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرئ على أهل الكوفة ، فلما قال القارئ : أما بعد ، سلام عليكم ، فإني أحمد الله إليكم ، قال له : اقطع ، ثم قال : يا عبيد العصا ، يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام ! أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب ! ثم قال للقارئ : اقرأ ، فلما قرأ سلام عليكم قالوا بأجمعهم : سلام الله على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .

ثم دخل منزله لم يزد على ذلك ، ثم دعا العرفاء وقال : ألحقوا الناس بالمهلب ، وائتوني بالبراءات بموافاتهم ، ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة .

تفسير هذه الخطبة

قوله : أنا ابن جلا ، فابن جلا هو الصبح لأنه يجلو الظلمة . وقوله : ( فاشتدي زيم ) ، هو اسم للحرب . والحطم : الذي يحطم كل ما مر به . والوضم : ما وقي به اللحم عن الأرض . والعصلبي : الشديد . والأعلاط من الإبل : التي لا أرسان عليها . وقوله : فعجم عيدانها ، أي عضها واختبرها . وقوله : لأعصبنكم عصب السلمة ، فالعصب القطع ، والسلم شجر من العضاه . وقوله : لا أخلق إلا فريت ، فالخلق التقدير ، ويقال : فريت الأديم إذا أصلحته . والسمهى : الباطل ، وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان . والعطاط ، بضم العين ، وقيل بفتحها : ضرب من الطير .

فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق ، فخرج حتى جلس على المنبر [ ص: 424 ] فقال : يا أهل العراق ، وأهل الشقاق والنفاق ، ومساوئ الأخلاق ! إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله ، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب ، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف ، يا بني اللكيعة وعبيد العصا ، وأبناء الأيامى ، ألا يربع رجل منكم على ظلعه ، ويحسن حقن دمه ، ويعرف موضع قدمه ! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها ، وأدبا لما بعدها .

فقام عمير بن ضابئ الحنظلي التميمي فقال : أصلح الله الأمير ، أنا في هذا البعث ، وأنا شيخ كبير عليل ، وابني هذا أشب مني . فقال الحجاج : هذا خير لنا من أبيه ، ثم قال : ومن أنت ؟ قال : أنا عمير بن ضابئ . قال : أسمعت كلامنا بالأمس ؟ قال : نعم . قال : ألست الذي غزا عثمان بن عفان ؟ قال : بلى . قال : يا عدو الله ، أفلا إلى عثمان بعثت بدلا ؟ وما حملك على ذلك ؟ قال : إنه حبس أبي ، وكان شيخا كبيرا . قال : أولست القائل :

هممت ولم أفعل وكدت وليتني     تركت على عثمان تبكي حلائله



إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين . وأمر به فضربت رقبته ، وأنهب ماله .

وقيل : إن عنبسة بن سعيد بن العاص قال للحجاج : أتعرف هذا ؟ قال : لا . قال : هذا أحد قتلة عثمان . فقال الحجاج : أي عدو الله ! أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا ؟ ثم أمر به فضربت عنقه ، وأمر مناديا فنادى : ألا إنعمير بن ضابئ أتى بعد ثلاثة ، وكان سمع النداء فأمرنا بقتله ، ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يأت الليلة من جند المهلب .

فخرج الناس فازدحموا على الجسر ، وخرج العرفاء إلى المهلب ، وهو برامهرمز ، فأخذوا كتبه بالموافاة . فقال المهلب : قدم العراق اليوم رجل ذكر ، اليوم قوتل العدو .

فلما قتل الحجاج عميرا لقي إبراهيم بن عامر الأسدي عبد الله بن الزبير ، فسأله عن الخبر ، فقال : [ ص: 425 ]

أقول لإبراهيم لما لقيته     أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا
تجهز وأسرع فالحق الجيش لا أرى     سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا
تخير فإما أن تزور ابن ضابئ     عميرا وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما     ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فحال ولو كانت خراسان دونه     رآها مكان السوق أو هي أقربا
فكائن ترى من مكره الغزو مسمرا     تحمم حنو السرج حتى تحنبا



تحمم ، أي لزمه حتى صار كالحميم . وتحنب : اعوج . والزبير هاهنا بفتح الزاي وكسر الباء .

قيل : وكان قدوم الحجاج في شهر رمضان ، فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على البصرة أميرا ، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله ، فبلغ خالدا الخبر فخرج عن البصرة ، فنزل الجلحاء ، وشيعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف .

فكان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه . قال الشعبي : كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت عمامته ، ويقام للناس ، ويشهر أمره ، فلما ولي مصعب قال : ما هذا بشيء ، وأضاف إليه حلق الرءوس واللحى ، فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه ، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط ، فربما مات وربما خرق المسمار كفه فسلم ، فقال شاعر :

لولا مخافة بشر أو عقوبته     وأن ينوط في كفي مسمار
إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم     إن المحب لمن يهواه زوار


فلما كان الحجاج قال : هذا لعب ، أضرب عنق من يخل مكانه من الثغر .

التالي السابق


الخدمات العلمية