صفحة جزء
[ ص: 67 ] 96

ثم دخلت سنة ست وتسعين

ذكر فتح قتيبة مدينة كاشغر

وفي هذه السنة غزا قتيبة كاشغر ، فسار وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند ، فلما عبر النهر استعمل رجلا على معبر النهر ليمنع من يرجع إلا بجواز منه ، ومضى إلى فرغانة ، وأرسل إلى شعب عصام من يسهل الطريق إلى كاشغر ، وهي أدنى مدائن الصين ، وبعث جيشا مع كبير بن فلان إلى كاشغر ، فغنم وسبى سبيا ، فختم أعناقهم ، وأوغل حتى بلغ قريب الصين .

فكتب إليه ملك الصين : أن ابعث إلي رجلا شريفا يخبرني عنكم وعن دينكم . فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسن وبأس وعقل وصلاح ، فأمر لهم بعدة حسنة ومتاع حسن من الخز والوشي وغير ذلك وخيول حسنة ، وكان منهم هبيرة بن مشمرج الكلابي ، فقال لهم : إذا دخلتم عليه ، فأعلموه أني قد حلفت أني لا أنصرف حتى أطأ بلادهم ، وأختم ملوكهم وأجبي خراجهم .

فساروا وعليهم هبيرة ، فلما قدموا عليهم دعاهم ملك الصين ، فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل ، وتطيبوا ولبسوا النعال والأردية ، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه ، فجلسوا ، فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن عنده ، فنهضوا . فقال الملك لمن حضره : كيف رأيتم هؤلاء ؟ فقالوا : رأينا قوما ما هم إلا نساء ، ما بقي منا أحد إلا انتشر ما عنده .

فلما كان الغد دعاهم ، فلبسوا الوشي والعمائم الخز والمطارف ، وغدوا عليه ، فلما دخلوا قيل لهم : ارجعوا ، وقال لأصحابه : كيف رأيتم هذه الهيئة ؟ قالوا : هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك . فلما كان اليوم الثالث دعاهم ، فشدوا سلاحهم ولبسوا البيض والمغافر ، وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا . فنظر إليهم ملك الصين فرأى مثل الجبل ، فلما دنوا ركزوا رماحهم وأقبلوا مشمرين ، فقيل لهم : ارجعوا ، فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم ودفعوا خيلهم كأنهم يتطاردون . فقال الملك لأصحابه : كيف ترونهم ؟ قالوا : ما رأينا مثل هؤلاء .

[ ص: 68 ] فلما أمسى بعث إليهم : أن ابعثوا إلي زعيمكم . فبعثوا إليه هبيرة بن مشمرج ، فقال له : قد رأيتم عظم ملكي وأنه ليس أحد منعكم مني ، وأنتم في يدي بمنزلة البيضة في كفي ، وإني سائلكم عن أمر ، فإن لم تصدقوني قتلتكم . قال : سل . قال : لم صنعتم بزيكم الأول اليوم الأول والثاني والثالث ما صنعتم ؟ قال : أما زينا اليوم الأول فلباسنا في أهلنا ، وأما اليوم الثاني فزينا إذ أمنا أمراءنا ، وأما الثالث فزينا لعدونا . قال : ما أحسن ما دبرتم دهركم ، فقولوا لصاحبكم ينصرف ، فإني قد عرفت قلة أصحابه ، وإلا بعثت إليكم من يهلككم . قال : كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون ؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل ، فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل ، ولسنا نكرهه ولا نخافه ، وقد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ، ويختم ملوككم ، ويعطى الجزية .

فقال : فإنا نخرجه من يمينه ونبعث تراب أرضنا فيطأه ، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم ، ونبعث إليه بجزية يرضاها . فبعث إليه بهدية وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ، ثم أجازهم فأحسن ، فقدموا علىقتيبة ، فقبل قتيبة الجزية ، وختم الغلمان وردهم ، ووطئ التراب . فقال سوادة بن عبد الملك السلولي :


لا عيب في الوفد الذين بعثتهم للصين إن سلكوا طريق المنهج     كسروا الجفون على القذى خوف الردى
حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج     أدى رسالتك التي استرعيته
فأتاك من حنث اليمين بمخرج

فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد ، فمات بقرية من فارس ، فرثاه سوادة فقال :


لله در هبيرة بن مشمرج     ماذا تضمن من ندى وجمال
وبديهة يعيا بها أبناؤها     عند احتفال مشاهد الأقوال
كان الربيع إذا السيوف تتابعت     والليث عند تكعكع الأبطال
[ ص: 69 ] فسقى بقرية حيث أمسى قبره     غر يرحن بمسبل هطال
بكت الجياد الصافنات لفقده     وبكاه كل مثقف عسال
وبكته شعث لم يجدن مواسيا     في العام ذي السنوات والإمحال

ووصل الخبر إلى قتيبة في هذه الغزاة بموت الوليد .

وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثني عشر فرسا واثني عشر هجينا ، فتحدر إلى وقت الغزو ، فإذا تأهب للغزو ضمرها وحمل عليها الطلائع ، وكان يجعل الطلائع فرسان الناس وأشرافهم ومعهم من العجم من يستنصحه ، وإذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ، ثم شقه بنصفين ، وجعل شقة عنده ، ويعطي نصفه الطليعة ، ويأمرهم أن يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرهما ، ثم يبعث بعد الطليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا .

وفيها غزا بشر بن الوليد الشاتية ورجع وقد مات الوليد .

التالي السابق


الخدمات العلمية