صفحة جزء
[ ص: 256 ] 121

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة

ذكر ظهور زيد بن علي بن الحسين

في هذه السنة غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير .

قيل : إن زيد بن علي بن الحسين قتل هذه السنة ، وقيل : سنة اثنتين وعشرين ومائة ، ونحن نذكر الآن سبب خلافه على هشام وبيعته ، ونذكر قتله سنة اثنتين وعشرين .

قد اختلفوا في سبب خلافه ، فقيل : إن زيدا وداود بن علي بن عبد الله بن عباس ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قدموا على خالد بن عبد الله القسري بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة ، فلما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام بذلك ، وذكر له أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ، ثم رد الأرض عليه ، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه ففعل ، فسألهم هشام عن ذلك فأقروا بالجائزة ، وأنكروا ما سوى ذلك وحلفوا ، فصدقهم وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالدا ، فساروا على كره وقابلوا خالدا ، فصدقهم ، فعادوا نحو المدينة . فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم .

وقيل : بل ادعى خالد القسري أنه أودع زيدا وداود بن علي ونفرا من قريش مالا ، فكتب يوسف بذلك إلى هشام ، فأحضرهم هشام من المدينة وسيرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه ، فقال يوسف لزيد : إن خالدا زعم أنه أودعك . قال : كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره ! فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة ، فقال : هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته شيئا . فنظر خالد إليه وإلى داود وقال ليوسف : أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا ؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر ! فقالوا لخالد : ما دعاك إلى ما صنعت ؟ قال : شدد علي العذاب فادعيت ذلك ، وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم . فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة .

[ ص: 257 ] قيل : إن يزيد بن خالد القسري هو الذي ادعى المال وديعة عند زيد .

فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفا من شر يوسف وظلمه ، فقال : أنا أكتب إليه بالكف عنكم ، وألزمهم بذلك ، فساروا على كره .

وجمع يوسف بينهم وبين يزيد ، فقال يزيد : [ ما ] لي عندهم قليل ولا كثير . قال يوسف : أبي تهزأ أم بأمير المؤمنين ؟ فعذبه يومئذ عذابا كاد يهلكه ، ثم أمر بالفراشين فضربوا وترك زيدا . ثم استحلفهم وأطلقهم ، فلحقوا بالمدينة ، وأقام زيد بالكوفة ، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف : ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيين أبدا . قال : لا بد من المسير إليه ، فساروا إليه .

وقيل : كان السبب في ذلك أن زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في [ ولاية ] وقوف علي ، [ وكان ] زيد يخاصم عن بني الحسين ، وجعفر يخاصم عن بني الحسن ، فكانا يتبالغان [ بين يدي الوالي إلى ] كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا .

فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن الحسن بن الحسن ، فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة ، فأغلظ عبد الله لزيد وقال : يابن السندية ! فضحك زيد وقال : قد كان إسماعيل لأمة ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها - يعني فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله ، فإنها تزوجت بعد أبيه الحسن بن الحسن ، ثم ندم زيد واستحيا من فاطمة ، وهي عمته ، فلم يدخل عليها زمانا ، فأرسلت إليه : يابن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده . وقالت لعبد الله : بئس ما قلت لأم زيد ! أما والله لنعم دخيلة القوم كانت ! قال : فذكر أن خالدا قال لهما : اغدوا علينا غدا ، فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما . فباتت المدينة تغلي كالمرجل ، يقول قائل قال زيد كذا ، ويقول قائل قال عبد الله كذا .

فلما كان الغد جلس خالد في المسجد ، واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم ، فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشاتما ، فذهب عبد الله يتكلم ، فقال زيد : لا تعجل يا أبا محمد ، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا .

ثم أقبل على خالد فقال : جمعت ذرية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر ! فقال [ ص: 258 ] خالد : أما لهذا السفيه أحد ؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال : يابن أبي تراب وابن حسين السفيه ! أما ترى للوالي عليك حقا ولا طاعة ؟ فقال زيد : اسكت أيها القحطاني فإنا لا نجيب مثلك . قال : ولم ترغب عني ؟ فوالله إني لخير منك ، وأبي خير من أبيك ، وأمي خير من أمك . فتضاحك زيد وقال : يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الأحساب ، فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم . فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال : كذبت والله أيها القحطاني ! فوالله لهو خير منك نفسا وأما وأبا ومحتدا ! وتناوله بكلام كثير ، وأخذ كفا من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال : إنه والله ما لنا على هذا من صبر .

وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك ، فجعل هشام لا يأذن له ، فيرفع إليه القصص ، فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها : ارجع إلى أميرك . فيقول زيد : والله لا أرجع إلى خالد أبدا . ثم أذن له يوما بعد طول حبس ، ورقي علية طويلة ، وأمر خادما أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول ، فصعد زيد ، وكان بدينا ، فوقف في بعض الدرجة ، فسمعه يقول : والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذل . ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء ، فقال : لا أصدقك . فقال : يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله ، ولم يضع أحدا عن ألا يرضى بذلك منه . فقال هشام : لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها ، ولست هنالك وأنت ابن أمة . قال زيد : إن لك جوابا . قال : فتكلم . قال : إنه ليس أحد أولى بالله ، ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه ، وقد كان إسماعيل ابن أمة ، وأخوه ابن صريحة فاختاره الله عليه ، وأخرج منه خير البشر ، وما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول الله ، وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أمه أمة . قال له هشام : اخرج . قال : أخرج ثم لا أكون إلا بحيث تكره . فقال له سالم : يا أبا الحسين لا تظهرن هذا منك .

فخرج من عنده وسار إلى الكوفة ، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب : [ ص: 259 ] أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة ، فإنهم لا يفون لك ، فلم يقبل . فقال له : خرج بنا أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ، ثم إلى الجزيرة ، ثم إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا ، وقال :

بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن عرض الحياة بمعزل     فأجبتها : إن المنية منهل
لا بد أن أسقى بكأس المنهل     إن المنية لو تمثل مثلت
مثلى إذا نزلوا بضيق المنزل     فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي
أني امرؤ سأموت إن لم أقتل



أستودعك الله وإني أعطي الله عهدا إن دخلت يد في طاعة هؤلاء ما عشت .

وفارقه وأقبل إلى الكوفة ، فأقام بها مستخفيا يتنقل في المنازل ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه ، فبايعه جماعة منهم : سلمة بن كهيل ، ونصر بن خزيمة العبسي ، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، وناس من وجوه أهل الكوفة ، وكانت بيعته : إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ، ورد المظالم ، ونصر أهل البيت ، أتبايعون على ذلك ؟ فإذا قالوا : نعم ، وضع يده على أيديهم ويقول : عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لتفين ببيعتي ، ولتقاتلن عدوي ، ولتنصحن لي في السر والعلانية ، فإذا قال : نعم ، مسح يده على يده ثم قال : اللهم اشهد .

فبايعه خمسة عشر ألفا ، وقيل : أربعون ألفا ، فأمر أصحابه بالاستعداد ، فأقبل من يريد أن يفي له ويخرج معه ويستعد ويتهيأ ، فشاع أمره في الناس .

هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام ، واختفى بها يبايع الناس ، وأما على قول من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لموافقة خالد بن عبد الله القسري أو ابنه [ ص: 260 ] يزيد بن خالد ، فإن زيدا أقام بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون : إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور ، وإن هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أمية . فأقام بالكوفة ، وجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال : هو هاهنا ، ويبعث إليه ليسير فيقول : نعم ، ويعتل بالوجع ، فمكث ما شاء الله .

ثم أرسل إليه يوسف ليسير ، فاحتج بأنه يبتاع أشياء يريدها . ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة ، فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله بملك بينهما بالمدينة ، فأرسل إليه ليوكل وكيلا ويرحل عنها . فلما رأى جد يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية ، وقيل الثعلبية ، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له : نحن أربعون ألفا لم يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا ، وليس هاهنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة ، بعض قبائلنا يكفيكهم بإذن الله تعالى ، وحلفوا له بالأيمان المغلظة ، فجعل يقول : إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدي ، فيحلفون له . فقال له داود بن علي : يابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك ، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك ، جدك علي بن أبي طالب حتى قتل ؟ والحسن من بعده بايعوه ، ثم وثبوا عليه ، فانتزعوا رداءه وجرحوه ؟ أوليس قد أخرجوا جدك الحسين ، وحلفوا له وخذلوه وأسلموه ، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه ؟ فلا ترجع معهم . فقالوا : إن هذا لا يريد أن تظهر أنت ، ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم . فقال زيد لداود : إن عليا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشام ، وإن الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم . فقال داود : إني خائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم ، وأنت أعلم .

ومضى داود إلى المدينة ، ورجع زيد إلى الكوفة ، فلما رجع زيد أتاه سلمة بن كهيل ، فذكر له قرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقه ، فأحسن ثم قال له : ننشدك الله كم بايعك ؟ قال : أربعون ألفا . قال : فكم بايع جدك ؟ قال : ثمانون ألفا . قال : فكم حصل معه ؟ قال : ثلاثمائة . قال : نشدتك الله أنت خير أم جدك ؟ قال : جدي . قال : فهذا القرن خير أم ذلك القرن ؟ قال : ذلك القرن . قال : أفتطمع أن يفي لك هؤلاء ، وقد غدر أولئك بجدك ؟ قال : قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم . قال : أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد ؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي . فأذن له فخرج إلى [ ص: 261 ] اليمامة ، وقد تقدم ذكر مبايعة سلمة .

وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى زيد : أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ العلانية ، خور السريرة ، هرج في الرخاء ، جزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم ، ولقد تواترت إلي كتبهم بدعوتهم ، فصممت عن ندائهم ، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم ، وما لهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب : " إن أهملتم خضتم ، وإن حوربتم خرتم ، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم ، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم " . فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك ، فأقام على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج ، وتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمي ، وتزوج أيضا ابنة عبد الله بن أبي العنبسي الأزدي .

وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع ، فأتت زيدا تسلم عليه ، وكانت جميلة حسناء قد دخلت في السن ولم يظهر عليها ، فخطبها زيد إلى نفسها ، فاعتذرت بالسن وقالت له : لي ابنة هي أجمل مني وأبيض وأحسن دلا وشكلا . فضحك زيد ثم تزوجها . وكان يتنقل بالكوفة تارة عندها ، وتارة عند زوجه الأخرى ، وتارة في بني عبس ، وتارة في بني هند ، وتارة في بني تغلب وغيرهم إلى أن ظهر .

التالي السابق


الخدمات العلمية