صفحة جزء
فصل

عدنا إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم ، فلما كان بسرف ، قال لأصحابه : ( من لم يكن معه هدي ، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه هدي فلا ) ، وهذه [ ص: 166 ] رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات .

فلما كان بمكة ، أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن يجعلها عمرة ويحل من إحرامه ، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه ، ولم ينسخ ذلك شيء البتة ، بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها ، هل هي لعامهم ذلك أم للأبد ، قال : ( بل للأبد ، وإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة ) .

وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه ، وأحاديثهم كلها صحاح ، وهم عائشة وحفصة أما المؤمنين ، وعلي بن أبي طالب ، وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق ، وجابر بن عبد الله ، وأبو سعيد الخدري ، والبراء بن عازب ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن عباس ، وسبرة بن معبد الجهني ، وسراقة بن مالك المدلجي رضي الله عنهم ، ونحن نشير إلى هذه الأحاديث .

ففي " الصحيحين " : عن ابن عباس ، ( قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله ! أي الحل ؟ فقال " الحل كله ) .

وفي لفظ لمسلم : ( قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لأربع خلون من العشر إلى مكة ، وهم يلبون بالحج ، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوها عمرة ، وفي لفظ : وأمر أصحابه أن يجعلوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي ) .

[ ص: 167 ] وفي " الصحيحين " عن جابر بن عبد الله : ( أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج ، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلحة ، وقدم علي - رضي الله عنه - من اليمن ومعه هدي ، فقال أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوها عمرة ، ويطوفوا ، ويقصروا ، ويحلوا إلا من كان معه الهدي ، قالوا : ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت ) ، وفي لفظ : فقام فينا فقال : ( لقد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم ، وأبركم ، ولولا أن معي الهدي لحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لم أسق الهدي ، فحلوا " فحللنا ، وسمعنا وأطعنا ) ، وفي لفظ : ( أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أحللنا ، أن نحرم إذا توجهنا إلى منى . قال : فأهللنا من الأبطح ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله ! لعامنا هذا أم للأبد ؟ قال للأبد ) .

وهذه الألفاظ كلها في الصحيح ، وهذا اللفظ الأخير صريح في إبطال قول من قال : إن ذلك كان خاصا بهم ، فإنه حينئذ يكون لعامهم ذلك وحده لا للأبد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنه للأبد .

وفي " المسند " : عن ابن عمر ( قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وأصحابه مهلين بالحج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي " . قالوا : يا رسول الله ! أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا ؟ قال : " نعم " وسطعت المجامر ) .

[ ص: 168 ] وفي " السنن " : عن الربيع بن سبرة ، عن أبيه : ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بعسفان ، قال سراقة بن مالك المدلجي : يا رسول الله ! اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ، فقال : " إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجة عمرة ، فإذا قدمتم ، فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، فقد حل إلا من معه هدي ) .

وفي " الصحيحين " عن عائشة : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج . .. فذكرت الحديث ، وفيه : ( فلما قدمنا مكة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه "اجعلوها عمرة " ، فأحل الناس إلا من كان معه الهدي . .. ) ، وذكرت باقي الحديث .

وفي لفظ للبخاري : ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا الحج ، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن ساق الهدي أن يحل ، فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن ، فأحللن ) .

وفي لفظ لمسلم : ( دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان ، فقلت : من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار . قال : أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت . ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ، ثم أحل كما حلوا ) . وقال مالك : عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، قالت : سمعت ( عائشة تقول : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، ولا نرى إلا أنه الحج ، فلما دنونا من مكة ، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل ) ، قال يحيى بن [ ص: 169 ] سعيد : فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد ، فقال : أتتك والله بالحديث على وجهه .

وفي " صحيح مسلم " : عن ابن عمر ، قال : حدثتني حفصة ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع ، فقلت : ما منعك أن تحل ؟ فقال : " إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر الهدي ) .

وفي " صحيح مسلم : ( عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، خرجنا محرمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدي فليقم على إحرامه ، ومن لم يكن معه هدي فليحلل ) ، وذكرت الحديث .

وفي " صحيح مسلم " أيضا : ( عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصرخ بالحج صراخا ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي . فلما كان يوم التروية ، ورحنا إلى منى ، أهللنا بالحج ) .

وفي " صحيح البخاري " : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : ( أهل المهاجرون والأنصار ، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، وأهللنا فلما قدمنا مكة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي . .. ) ، وذكر الحديث .

التالي السابق


الخدمات العلمية