صفحة جزء
فصل

ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد ، فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فجاءه المخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله وجاءه كعب بن مالك ، فلما سلم عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال له : تعال ، قال : فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ما خلفك ، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت : بلى ، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله عني ، والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك . فقمت ، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبوني ، فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت [ ص: 484 ] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، قال : فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم رجلان ، قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا ـ أيها الثلاثة ـ من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي الأرض ، فما هي بالتي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي ، وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام ، فقلت : يا أبا قتادة ، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسكت ، فعدت فناشدته فسكت ، فعدت فناشدته ، فقال : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار

فبينا أنا أمشي بسوق المدينة ، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام [ ص: 485 ] يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ، فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه

أما بعد : فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ، فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرتها ، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت : أطلقها أم ماذا ؟ قال : لا ، ولكن اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت : يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ، ولكن لا يقربك ، قالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، قال كعب : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه ، فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ، ولبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا ، بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى ـ قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ـ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر ، فخررت ساجدا ، فعرفت أن قد جاء فرج من الله ، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض إلي رجل فرسا ، وسعى ساع من أسلم فأوفى على ذروة الجبل ـ وكان الصوت أسرع من الفرس ـ فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ، والله ما أملك غيرهما ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا [ ص: 486 ] فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون : ليهنك
توبة الله عليك ، قال كعب : حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول ، حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ، ولست أنساها لطلحة ، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ـ وهو يبرق وجهه من السرور ـ : ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ، قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : " لا ، بل من عند الله ) ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ، فقال : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر ، فقلت : يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا ما أبلاني ، والله ما تعمدت بعد ذلك إلى يومي هذا كذبا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت

فأنزل الله تعالى على رسوله : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) [ التوبة : 117 ] إلى قوله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) [ التوبة : 119 ] ، فوالله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ، قال : ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ) [ التوبة : 95 ] إلى قوله : ( فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) [ التوبة : 96 ]

قال كعب : وكان تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ أمرنا حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال الله : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) [ التوبة : 118 ] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن [ ص: 487 ] حلف له واعتذر إليه فقبل منه


وقال عثمان بن سعيد الدارمي : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) [ التوبة : 102 ] قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد ، وكان يمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم ، فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري ؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له ، تخلفوا عنك يا رسول الله ، أوثقوا أنفسهم حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعذرهم ، قال : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم ، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ، فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا ، فأنزل الله عز وجل ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) وعسى من الله واجب ( إنه هو التواب الرحيم ) فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم ، فجاءوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا ، قال : ما أمرت أن آخذ أموالكم ، فأنزل الله ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ) [ التوبة : [ ص: 488 ] 103 ] يقول : استغفر لهم ( إن صلاتك سكن لهم ) فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم ، وكان ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري ، فأرجئوا لا يدرون أيعذبون أم يتاب عليهم ، فأنزل الله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) إلى قوله : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) إلى قوله : ( إن الله هو التواب الرحيم ) تابعه عطية بن سعد

التالي السابق


الخدمات العلمية