صفحة جزء
فصل

في هذه القصة من الفقه : إن للضيف حقا على من نزل به ، وهو ثلاث مراتب : حق واجب ، وتمام مستحب ، وصدقة من الصدقات .

فالحق الواجب يوم وليلة ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه جائزته " ، قالوا : وما جائزته يا رسول الله ؟ قال : يومه وليلته ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه )

وفيه جواز التقاط الغنم ، وأن الشاة إذا لم يأت صاحبها فهي ملك الملتقط ، واستدل بهذا بعض أصحابنا على أن الشاة ونحوها مما يجوز التقاطه يخير الملتقط بين أكله في الحال ، وعليه قيمته ، وبين بيعه وحفظ ثمنه ، وبين تركه والإنفاق عليه من ماله ، وهل يرجع به ؟ على وجهين ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعلها له ، إلا أن يظهر صاحبها ، وإذا كانت له ، خير بين هذه الثلاثة ، فإذا ظهر صاحبها دفعها إليه أو قيمتها ، وأما متقدمو أصحاب أحمد فعلى خلاف هذا . قال أبو الحسين : لا يتصرف فيها قبل الحول ، رواية واحدة ، قال : وإن قلنا : يأخذ ما لا يستقل بنفسه [ ص: 576 ] كالغنم ، فإنه لا يتصرف بأكل ولا غيره رواية واحدة ، وكذلك قال ابن عقيل . ونص أحمد في رواية أبي طالب في الشاة : يعرفها سنة فإن جاء صاحبها ردها إليه ، وكذلك قال الشريفان : لا يملك الشاة قبل الحول ، رواية واحدة . وقال أبو بكر : وضالة الغنم إذا أخذها يعرفها سنة ، وهو الواجب ، فإذا مضت السنة ولم يعرف صاحبها كانت له ، والأول أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك ؛ إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزما لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا : يرجع عليه بنفقتها ، وإن قلنا : لا يرجع استلزم تغريم الملتقط ذلك ، وإن قيل يدعها ولا يلتقطها كانت للذئب وتلفت ، والشارع لا يأمر بضياع المال .

فإن قيل : فهذا الذي رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوال أصحابه وللدليل أيضا .

أما مخالفة نصوص أحمد فمما تقدم حكايته في رواية أبي طالب ، ونص أيضا في روايته في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة ، قال : يأكل من الميتة ولا يأكل من المذبوحة ، الميتة أحلت والمذبوحة لها صاحب قد ذبحها . يريد أن يعرفها ويطلب صاحبها ، فإذا أوجب إبقاء المذبوحة على حالها ، فإبقاء الشاة الحية بطريق الأولى ، وأما مخالفة كلام الأصحاب فقد تقدم ، وأما مخالفة الدليل ، ففي حديث عبد الله بن عمرو : يا رسول الله كيف ترى في ضالة الغنم ؟ فقال : ( هي لك أو لأخيك أو للذئب ، احبس على أخيك ضالته " وفي لفظ : " رد على أخيك ضالته " ) وهذا يمنع البيع والذبح .

قيل : ليس في نص أحمد أكثر من التعريف ، ومن يقول : إنه مخير بين أكلها وبيعها وحفظها ، لا يقول بسقوط التعريف بل يعرفها مع ذلك ، وقد عرف شيتها وعلامتها ، فإن ظهر صاحبها أعطاه القيمة . فقول أحمد : يعرفها أعم من تعريفها [ ص: 577 ] وهي باقية ، أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها ، ولا سيما إذا التقطها في السفر ، فإن في إيجاب تعريفها سنة من الحرج والمشقة ما لا يرضى به الشارع ، وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمره بأخذها ، وإخباره أنه إن لم يأخذها كانت للذئب ، فيتعين ولا بد : إما بيعها وحفظ ثمنها ، وإما أكلها وضمان قيمتها أو مثلها .

وأما مخالفة الأصحاب ، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب ، ومن يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء ، وهو أبو محمد المقدسي قدس الله روحه ، ولقد أحسن في اختياره التخيير كل الإحسان .

وأما مخالفة الدليل فأين في الدليل الشرعي المنع من التصرف في الشاة الملتقطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل ، وإيجاب تعريفها والإنفاق عليها سنة مع الرجوع بالإنفاق أو مع عدمه ؟ هذا ما لا تأتي به شريعة فضلا أن يقوم عليه دليل وقوله صلى الله عليه وسلم : " احبس على أخيك ضالته " صريح في أن المراد به أن لا يستأثر بها دونه ويزيل حقه ، فإذا كان بيعها وحفظ ثمنها خيرا له من تعريفها سنة ، والإنفاق عليها وتغريم صاحبها أضعاف قيمتها ، كان حبسها وردها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ ، والحديث يقتضيه بفحواه وقوته ، وهذا ظاهر وبالله التوفيق .

ومنها : أن البعير لا يجوز التقاطه اللهم إلا أن يكون فلوا صغيرا لا يمتنع من الذئب ونحوه ، فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته .

التالي السابق


الخدمات العلمية