صفحة جزء
وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه ، والأصل فيه عدم الحظر ، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى . وذلك ؛ لأن الأمر والنهي هما شرع الله ، والعبادة لا بد أن يكون مأمورا بها ، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه [ ص: 164 ] [عبادة ؟ ! وما لم يثبت من [العبادات] أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه] محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون : إن الأصل في العبادات التوقيف ، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) [الشورى : 21 ] .

والعادات الأصل فيها العفو ، فلا يحظر منها إلا ما حرمه ، وإلا دخلنا في معنى قوله : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ) [يونس : 59] ، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون ) [الأنعام ] ، فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات .

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل [ ص: 165 ] به سلطانا " .

وهذه قاعدة عظيمة نافعة ، وإذا كان كذلك فنقول :

البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة ، فحرمت منها ما فيه فساد ، وأوجبت ما لا بد منه ، وكرهت ما لا ينبغي ، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها .

وإذا كان كذلك : فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ، ما لم تحرم الشريعة ، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة ، وإن كان بعض ذلك قد يستحب ، أو يكون مكروها ، وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا ، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي .

وأما السنة والإجماع : فمن تتبع ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات : علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين ، والآثار في ذلك كثيرة ليس هذا موضعها ، إذ الغرض التنبيه على القواعد ، وإلا فالكلام في أعيان المسائل له موضع غير هذا .

فمن ذلك : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى مسجده ، والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته ، ولم يأمر أحدا أن يقول : وقفت هذا المسجد ، ولا ما يشبه هذا اللفظ ، بل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ، فعلق الحكم بنفس بنائه .

[ ص: 166 ] وفي الصحيحين : أنه لما اشترى الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب قال : " هو لك يا عبد الله بن عمر " ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول . وكان يهدي ويهدى له ، فيكون قبض الهدية قبولها ، ولما نحر البدنات قال : " من شاء اقتطع " مع إمكان قسمتها ، فكان هذا إيجابا ، وكان الاقتطاع هو القبول ، وكان يسأل فيعطي ، أو يعطي من غير سؤال فيقبض المعطى ، ويكون الإعطاء هو الإيجاب ، والأخذ هو القبول ، في قضايا كثيرة جدا ، ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ، ولا يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغة ، كما في إعطائه للمؤلفة قلوبهم وللعباس وغيرهم .

وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ونحوها من المدلسات .

وأيضا : فإن التصرفات جنسان : عقود ، وقبوض ، كما جمعها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : رحم الله عبدا سمحا إذا باع ، سمحا إذا اشترى ، سمحا إذا قضى ، سمحا إذا اقتضى ويقول الناس : البيع والشراء ، والأخذ والعطاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية