موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

صفحة جزء
آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق

والنظر فيما على الزوج والزوجة

أما الزوج : فعليه مراعاة الاعتدال والآداب في اثني عشر أمرا ، في الوليمة ، والمعاشرة ، والدعابة ، والسياسة ، والغيرة ، والنفقة ، والتعليم ، والقسم ، والتأديب في النشوز ، والوقاع ، والولادة ، والمفارقة بالطلاق .

الأدب الأول : الوليمة وهي مستحبة ، قال " أنس " رضي الله عنه : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على " عبد الرحمن بن عوف " رضي الله عنه أثر صفرة فقال : ما هذا ؟ فقال : " تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب " ، فقال : " بارك الله لك أولم ولو بشاة .

وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على " صفية " بتمر وسويق .

وتستحب تهنئته فيقول من دخل على الزوج : بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير .

ويستحب إظهار النكاح ، قال عليه السلام : فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت .

الأدب الثاني : حسن الخلق معهن ، واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن .

قال تعالى : ( وعاشروهن بالمعروف ) [ النساء : 19 ] وقال في تعظيم حقهن : ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) [ النساء : 21 ] وقال : ( والصاحب بالجنب ) [ النساء : 36 ] قيل : هي المرأة .

وليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل .

الثالث : أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة فهي التي تطيب قلوب النساء ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق .

وأرى " عائشة " لعب الحبشة بالمسجد واستوقفته طويلا وهو يقول لها : حسبك . وقال صلى الله عليه وسلم : [ ص: 106 ] " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي .

وقال " عمر " رضي الله عنه : " ينبغي للرجل أن يكون مع أهله مثل الصبي " .

وقال صلى الله عليه وسلم " لجابر " هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت : والله لقد كان ضحوكا إذا ولج ، سكيتا إذا خرج ، آكلا ما وجد ، غير سائل عما فقد .

الرابع : أن لا ينبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها بل يراعي الاعتدال فيه ، فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرا ، ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة ، بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض ، فبالعدل قامت السماوات والأرض ، فكل ما جاوز حده انعكس على ضده ، فينبغي أن يسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة ويتتبع الحق في جميع ذلك ليسلم من شرهن ، فإن الغالب عليهن سوء الخلق ولا يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة . وعليه أن ينظر إلى أخلاقها أولا بالتجربة ثم ليعاملها بما يصلحها كما يقضيه حالها .

الخامس : الاعتدال في الغيرة ، وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها ، ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع عورات النساء ، وفي رواية أن تبغت النساء .

ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره قال قبل دخول المدينة : لا تطرقوا النساء ليلا فخالفه رجلان فسبقا فرأى كل واحد في منزله ما يكره .

وفي الحديث : إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي : غيرة الرجل على أهله من غير ريبة لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه .

وأما الغيرة في محلها فلا بد منها وهي محمودة وذلك في الريبة .

وكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في حضور المسجد سيما في العيدين ، فالخروج للمسجد مباح للمرأة العفيفة مباح برضاء زوجها ولكن القعود أسلم ، وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم فإن الخروج للنظارات والأمور التي ليست مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد .

فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال .

ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط ، فإن لم تكن فتنة فلا ، إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه ، والنساء يخرجن متنقبات ، ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعن من الخروج إلا لضرورة .

السادس : الاعتدال في النفقة فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق ولا ينبغي أن يسرف بل يقتصد ، قال تعالى : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) [ الأعراف : 31 ] .

قال " ابن [ ص: 107 ] سيرين " : " يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة حلاوة " . وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك ، فهذا أقل درجات الخير .

وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير تصريح إذن من الزوج ، ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه فإن ذلك مما يوغر الصدور ويبعد عن المعاشرة بالمعروف ، ولا ينبغي أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه ، وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته .

وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق أن يطعمها من الحلال ، ولا يدخل مداخل السوء لأجلها فإن ذلك جناية عليها لا مراعاة لها .

السابع : أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب ، ويعلم زوجته أحكام الصلاة ويخوفها من الله إن تساهلت في أمر الدين ، فإن كان الرجل قائما بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء ، وإن قصر علم الرجل ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج ، فإن لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال بل عليها ذلك ويعصي الرجل بمنعها .

الثامن : إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن ، فإن ظلم امرأة بليلتها قضى لها فإن القضاء واجب عليه . وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت ، وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل تحت الاختيار .

وكان صلى الله عليه وسلم يطاف به محمولا في مرضه في كل يوم وكل ليلة فيبيت عند كل واحدة منهن . ومهما وهبت واحدة ليلتها لصاحبتها ثبت الحق لها .

التاسع : التأديب في النشوز ، ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما فإن كان من جانبهما جميعا أو من الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها ولا يقدر على إصلاحها فلا بد من حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها لينظرا بينهما ويصلحا أمرهما : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) [ النساء : 35 ] ، وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة ( الرجال قوامون على النساء ) [ النساء : 34 ] فله أن يؤدبها ويحملها على الطاعة قهرا ، ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها وهو أن يقدم أولا الوعظ والتحذير والتخويف ، فإن لم ينجح ولاها ظهره في المضجع أو انفرد عنها بالفراش وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال ، فإن لم ينجح ذلك فيها ضربها ضربا غير مبرح ، ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه .

العاشر في آداب الجماع : يستحب أن يقدم عليه الحديث والمؤانسة ، وأن يغطي رأسه ويغض صوته . ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها ، ولا يأتيها [ ص: 108 ] في المحيض حتى تطهر . وله أن يستمتع بجميع بدن الحائض ولا يأتيها في غير المأتى ، إذ حرم غشيان الحائض لأجل الأذى والأذى في غير المأتى دائم فهو أشد تحريما من إتيان الحائض .

وقوله تعالى : ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) [ البقرة : 223 ] أي في أي وقت شئتم . وله أن يستمني بيديها وأن يستمتع بما تحت الإزار بما يشتهي سوى الوقاع . وله أن يؤاكل الحائض ويخالطها في المضاجعة وغيرها .

ومن الآداب أن لا يعزل فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة ، فإن عزل فمن العلماء من أباحه ، ومنهم من أحله برضاها وحرمه بدون رضاها لئلا يؤذيها ، والصحيح الأول .

وفي الصحيحين عن " جابر " رضي الله عنه أنه قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل وفي لفظ آخر : كنا نعزل فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا " .

وقد يبعث على العزل استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع ، واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق أو الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء فإن قلة الحرج معين على الدين .

الحادي عشر في آداب الولادة وهي خمسة :

الأول : أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى فإنه لا يدري الخير له في أيهما ، فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له أو يتمنى أن تكون بنتا ، بل الثواب فيهن أكثر ، قال " أنس " : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كانت له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين .

الثاني : أن يؤذن في أذن المولود حين ولادته .

الثالث : أن يسميه اسما حسنا ، ومن كان له اسم مكروه يستحب تبديله .

الرابع : العقيقة عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة وأن يتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة .

الخامس : أن يحنكه بتمرة أو حلاوة ، روي ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم .

الثاني عشر في الطلاق :

وهو أبغض المباحات إلى الله تعالى ، وإنما يكون مباحا إذا لم يكن فيها إيذاء بالباطل ، ومهما طلقها فقد آذاها ، ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها أو بضرورة من جانبه ، قال تعالى : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) [ النساء : 34 ] أي لا تطلبوا حيلة للفراق .

وإن كرهها أبوه لا لغرض فاسد فليطلقها برا به .

ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية ، وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين .

وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ببذل مال ، ويكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها وتحامل عليها وتجارة على البضع ، قال تعالى : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) [ ص: 109 ] [ البقرة : 229 ] فرد ما أخذته فما دونه لائق بالفداء .

فإن سألت الطلاق بغير ما بأس فهي آثمة .

ثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور :

الأول : أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ; فإن الطلاق في الحيض أو الطهر الذي جامع فيه بدعي حرام وإن كان واقعا ; لما فيه من تطويل العدة عليها ، فإن فعل ذلك فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها .

الثاني : أن يقتصر على طلقة واحدة ; لأنها تفيد المقصود ويستفيد بها الرجعة إن ندم في العدة .

وإذا طلق ثلاثا ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل وإلى الصبر مدة ، وعقد المحلل منهي عنه ويكون هو الساعي فيه .

الثالث : أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف ، واستخفاف وتطييب قلبها بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق ، قال تعالى : ( ومتعوهن ) [ البقرة : 236 ] .

وجه " الحسن بن علي " رضي الله عنهما بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال : " قل لهما اعتدا " ، وأمره أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم " .

الرابع : أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح فقد ورد في إفشاء سر النساء وعيد عظيم .

التالي السابق


الخدمات العلمية