موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

صفحة جزء
بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر :

اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه رأسه وجلوسه متربعا أو متكئا ، وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في الإيراد ، ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته . فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ، ومنهم [ ص: 247 ] من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض ، فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه ، ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه ، ومنها أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين ، وهو ضد التواضع ، ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه ، ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته والتواضع خلافه .

روي أن " عمر بن عبد العزيز " أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ ، فقال الضيف : أقوم إلى المصباح فأصلحه ؟ فقال : ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه ، قال : أفأنبه الغلام ؟ فقال : هي أول نومة نامها ، فقام وملأ المصباح زيتا ، فقال الضيف : قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ذهبت وأنا عمر ، ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء ، وخير الناس من كان عند الله متواضعا .

ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته ، وهو خلاف عادة المتواضعين ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، وقال " علي " : " لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله " ، ومنها اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع ، وعلامة المتكبر فيه حرصه على التزين للناس للشهرة والمخيلة ، وأما طلب التجمل لذاته في غير سرف ولا مخيلة فليس من الكبر ، والمحبوب الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة ، ولا بالرداءة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ، ولا مخيلة ، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " ، ومنها أن يتواضع بالاحتمال إذا سب وأوذي وأخذ حقه ، فذلك هو الأصل .

وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيه : فينبغي أن يقتدى به ، ومنه ينبغي أن يتعلم .

وقد قال " ابن أبي سلمة " : قلت لأبي سعيد الخدري : ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم ؟ فقال : يا ابن أخي كل لله ، واشرب لله ، والبس لله ، وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف ، وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته : كان يحلب الشاة ، ويخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويأكل مع خادمه ، ويشتري الشيء من السوق ، ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده ، يصافح الغني والفقير ، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير ، يجيب إذا دعي ، ولا يحقر ما دعي إليه ، لين الخلق ، جميل المعاشرة ، طليق الوجه ، شديد في غير عنف ، متواضع في [ ص: 248 ] غير مذلة ، جواد من غير سرف ، رقيق القلب .

زادت " عائشة " رضي الله عنها : " وإنه صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعا ، ولم يبث إلى أحد شكوى ، وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى " .

فمن طلب التواضع فليقتد به صلى الله عليه وسلم ، ومن لم يرض لنفسه بذلك فما أشد جهله ، فلقد كان أعظم خلق الله منصبا في الدنيا والدين ، فلا عز ، ولا رفعة إلا في الاقتداء به .

التالي السابق


الخدمات العلمية