موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

صفحة جزء
فضيلة الإخلاص وحقيقته :

قال الله - تعالى - : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) [ البينة : 5 ] وقال - تعالى - : ( ألا لله الدين الخالص ) [ الزمر : 3 ] وقال - تعالى - : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) [ النساء : 146 ] وقال - تعالى - : ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) [ الكهف : 110 ] وعن " علي " كرم الله وجهه : "لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " لمعاذ بن جبل " : "أخلص العمل يجزك منه القليل " وقال " يعقوب المكفوف " : "المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته " .

واعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره ، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا ، ويسمى الفعل المصفي المخلص : إخلاصا ، والإخلاص يضاده الإشراك ، فمن ليس مخلصا فهو مشرك ، إلا أن الشرك درجات ، وقد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله - تعالى - عن جميع الشوائب ، فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص ، ومثاله أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب ، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر ، أو ليتخلص من عدو له ، أو يصلي بالليل لغرض دنيوي ، أو يتعلم العلم أو يخدم العلماء والصوفية لذلك ، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله ، أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر [ ص: 302 ] به ، وينظر إليه بعين الصلاح والوقار .

فمهما كان باعثه التقرب إلى الله - تعالى - ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور ، فقد خرج عمله عن حد الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله - تعالى - وتطرق إليه الشرك .

وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه ، فإن الخالص من العمل هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى ، وهذا لا يتصور إلا من محب لله لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار ، ولذا كان علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب ، فإذ ذاك يتيسر الإخلاص .

وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها مغرورا ؛ لأنه لا يرى وجه الآفة فيها . فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق ، وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر .

التالي السابق


الخدمات العلمية