موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

صفحة جزء
آية أصناف الحيوانات

اعلم أن من آياته تعالى أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما يمشي ، وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى عشر وعلى مائة كما يشاهد في بعض الحشرات ، ثم انقسامها في المنافع والصور والأشكال والأخلاق والطباع . فانظر إلى طيور الجو وإلى وحوش البر وإلى البهائم الأهلية ترى فيها من العجائب ما لا تشك معه في عظمة خالقها وقدرة مقدرها وحكمة مصورها ، وكيف يمكن أن يستقصى ذلك ؟ بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النحلة أو العنكبوت وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها ، وفي إلفها لزوجها ، وفي ادخارها لنفسها ، وفي حذقها في هندسة بيتها ، وفي هدايتها إلى حاجاتها لم نقدر على ذلك ، وكل يشهد بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته لفاطره الحكيم وخالقه القادر العليم ، فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول فضلا عن سائر الحيوانات .

وهذا الباب أيضا لا حصر له ، فإن الحيوانات وأشكالها وطباعها غير محصورة ، وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة . نعم إذا رأى حيوانا ولو دودا تجدد تعجبه وقال : " سبحان الله ما أعجبه " ! والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب من نفسه ، بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها ، ونظر إلى أشكالها وصورها ، ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها التي جعلها الله لباسا لخلقه ، وأكنانا لهم في ظعنهم وإقامتهم ، وآنية لأشربتهم ، وأوعية لأعذيتهم ، وصوانا لأقدامهم ، وجعل ألبانها ولحومها أغذية لهم ، ثم جعل [ ص: 318 ] بعضها زينة للركوب ، وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات البعيدة لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصورها ، فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع منافعها سابق على خلقه إياها . فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من غير تفكر ومن غير تأمل وتدبر ، ومن غير استعانة بوزير أو مشير فهو العليم الخبير الحكيم القدير ، فلقد استخرج بأقل القليل مما خلقه صدق الشهادة من قلوب العارفين بتوحيده ، فما للخلق إلا الإذعان لقهره وقدرته ، والاعتراف بربوبيته ، والإقرار بالعجز عن معرفة جلاله وعظمته ، فمن ذا الذي يحصي ثناء عليه ؟ بل هو كما أثنى على نفسه ، وإنما غاية معرفتنا الاعتراف بالعجز عن معرفته . فنسأل الله تعالى أن يكرمنا بهدايته بمنه ورأفته .

التالي السابق


الخدمات العلمية