موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

صفحة جزء
[ ص: 57 ] صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها

فضيلة الصدقة :

من الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم : " تصدقوا ولو بتمرة " وفي رواية : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة " وقال صلى الله عليه وسلم : " كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس " وقال صلى الله عليه وسلم : " صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل " وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل ؟ قال : " أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفاقة ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " وقال صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين المتعفف ، إقرؤوا إن شئتم ( لا يسألون الناس إلحافا ) [ البقرة : 273 ] وقال صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز وجل ما دامت عليه منه رقعة " .

ومن الآثار قول عروة : " لقد تصدقت عائشة - رضي الله عنها - بخمسين ألفا وأن درعها لمرقع . وكان عمر - رضي الله عنه - يقول : اللهم اجعل الفضل عند خيارنا لعلهم يعودون به على أولي الحاجة منا . وقال " ابن أبي الجعد " : " إن الصدقة لتدفع سبعمائة باب من السوء ، وفضل سرها على علانيتها بسبعين ضعفا " .

وجوب فضل إخفاء الصدقة :

قال الله تعالى : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) [ البقرة : 271 ] وفي الإخفاء خمسة معان :

الأول : أنه أبقى للستر على الأخذ ، فإن أخذه ظاهرا هتك ستر المروءة وكشف عن [ ص: 58 ] الحاجة ، وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله أغنياء من التعفف .

الثاني : أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء ; والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى . قال " أيوب السختياني " : " إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد " . وقال آخر : " خشية أن يقول إخواني من أين له هذا " .

الثالث : إعانة المعطي على إسرار العمل فإن فضل السر على الجهر في الإعطاء أكثر والإعانة على إتمام المعروف معروف . دفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه شيئا آخر في السر فقبل ، فقيل له في ذلك ، فقال : " إن هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته وذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه " . ورد بعضهم ما دفع إليه علانية وقال له : " إنك أشركت غير الله سبحانه فيما كان لله تعالى ولم تقنع بالله عز وجل فرددت عليك شركك " .

الرابع : أن في إظهار الأخذ ذلا وامتهانا وليس للمؤمن أن يذل نفسه .

الخامس : الاحتراز عن شبهة الشركة لحديث : " من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها " والأعمال بالنيات فينبغي للمخلص أن يكون مراقبا لنفسه حتى لا يتدلى بحبل الغرور ولا ينخدع بمكر الشيطان .

نسأل الله الكريم حسن العون والتوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية