حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
( وبطل ) الوقف ( على معصية ) كجعل غلته في ثمن خمر ، أو حشيشة ، أو سلاح لقتال غير جائز ويدخل فيه وقف الذمي على الكنيسة سواء كان لعبادها ، أو لمرمتها ; لأن المذهب خطابهم بفروع الشريعة ( و ) بطل على ( حربي و ) بطل من ( كافر ) ولو ذميا ( لكمسجد ) ورباط [ ص: 79 ] من كل منفعة عامة دينية ( أو على بنيه دون بناته ) لصلبه وأما على بني بنيه فيصح كبناته دون بنيه وما مشى عليه المصنف أحد أقوال ، وعلل بأنه يشبه فعل الجاهلية من حرمان البنات من إرث أبيهن ورجح بعضهم الكراهة فيمضي وهو رأي ابن القاسم وعليه العمل وصرح الشيخ أبو الحسن بأن الكراهة في المدونة على التنزيه .


( قوله : وبطل على معصية ) أي ويصير ذلك الموقوف مالا من أموال الواقف يملكه ويورث عنه لا أنه يرجع مراجع الأحباس لأقرب فقراء عصبة المحبس ، وإلى امرأة لو كانت رجلا عصبت ، ومفهوم معصية صحته على مكروه وصرفت غلته لتلك الجهة التي وقف عليها وهو كذلك ولو اتفق على كراهته كما جزم به الشيخ كريم الدين كما لو وقف على من يصلي ركعتين بعد العصر أو لمن يعمل ذكرا يلزم عليه رفع الصوت في المسجد وكالوقف على فرش المسجد بالبسط وقال بعضهم في المتفق على كراهته تصرف غلة الواقف في جهة قريبة من الجهة التي وقف عليها . ( قوله : ويدخل فيه إلخ ) ما ذكره من بطلان وقف الذمي على الكنيسة مطلقا هو المعتمد ولابن رشد قول ثان .

وحاصله أن وقف الكافر على عبادة الكنيسة باطل ; لأنه معصية وأما على مرمتها ، أو على الجرحى أو المرضى التي فيها فالوقف صحيح معمول به ، فإذا أراد الواقف ، أو الأسقف بيعه ونوزع في ذلك وترافعوا إلينا راضين بحكمنا فإن للحاكم أن يحكم بينهم بحكم الإسلام من صحة الحبس وعدم بيعه ولعياض قول ثالث وهو أن الوقف على الكنيسة مطلقا صحيح غير لازم سواء أشهدوا على ذلك الوقف أم لا بان من تحت يد الواقف أم لا وللواقف الرجوع فيه متى شاء . ( قوله : وبطل على حربي ) أي على كافر مقيم بدار الحرب ، وإن لم يتصد للحرب . ( قوله : وكافر لكمسجد ) هو بالجر عطف على معمول [ ص: 79 ] المصدر المقدر الواقع مضافا إليه تقديره وبطل وقفه على معصية ، أو كافر فهو عطف على الضمير المضاف إليه وقف ولا يصح عطفه على معصية ; لأن الكافر هنا واقف لا موقوف عليه إذا علمت هذا فقول الشارح وبطل من كافر لكمسجد هذا حل معنى لا حل إعراب . ( قوله : من كل منفعة عامة دينية ) من جملتها بناؤه مسجدا ولبطلان القربة الدينية من الكافر رد مالك دينار نصرانية عليها حين بعثت به إلى الكعبة وأما القرب الدنيوية كبناء قناطر وتسبيل ماء ونحوهما فيصح . ( قوله : أو على بنيه دون بناته ) أي إذا أخرجهن ابتداء ، أو بعد تزوجهن بأن وقف على بنيه وبناته جميعا وشرط أن من تزوجت من بناته فلا حق لها في الوقف وتخرج منه ولا تعود له ولو تأيمت وأما لو شرط أن من تزوجت من البنات فلا حق لها إلا أن تتأيم فإنه يرجع لها الحق فيه كان الوقف صحيحا كما قرره شيخنا العدوي . ( قوله : كبناته دون بنيه ) أي وكذا على بعض بنيه دون بعض بناته وعلى إخوته دون أخواته ، أو على بني فلان دون بناته فيصح الوقف في ذلك كله لانتفاء العلة المذكورة وأما لو وقف على بنيه الذكور ، ثم من بعدهم على بناته فتردد فيه بعض شيوخنا وأفتى بعضهم بالمنع كذا كتب شيخنا العدوي . ( قوله : وما مشى عليه المصنف ) أي من بطلان الوقف وحرمة القدوم عليه أحد أقوال وهذا القول رواية ابن القاسم عن مالك في العتبية . ( قوله : ورجح بعضهم ) أي وهو عياض وغيره . ( قوله : وهو رأي ابن القاسم ) أي ورواية ابن زياد عن مالك في المدونة واعترض على المصنف بأنه ما كان ينبغي له ترك مذهب المدونة الذي شهره عياض والمشي على غيره لا يقال ما مشى عليه المصنف رواية ابن القاسم وقد تقرر أن رواية ابن القاسم تقدم على رواية غيره لأنا نقول هذا خاص بروايته عن مالك في المدونة فهي تقدم على رواية غيره فيها وتقدم على قول ابن القاسم الذي ذكره من عنده سواء كان فيها ، أو في غيرها لكن قد علمت أن رواية ابن القاسم هنا عن مالك في غيرها لا فيها ورواية غيره فيها تقدم على روايته في غيرها . ( قوله : بأن الكراهة في المدونة إلخ ) نصها : ويكره لمن حبس أن يخرج البنات من تحبيسه قال أبو الحسن وابن ناجي وابن غازي الكراهة على بابها فإن وقع ذلك مضى وقيل إنها للتحريم وعليه إذا وقع فإنه يفسخ ، واعلم أن في هذه المسألة وهي الوقف على البنين دون البنات أقوالا أولها البطلان مع حرمة القدوم على ذلك ، ثانيها الكراهة مع الصحة والكراهة على بابها ، ثالثها جوازه من غير كراهة ، رابعها الفرق بين أن يحاز عنه فيمضي علي ما حبسه عليه ، أو لا يحاز فيرده للبنين والبنات معا ، خامسها ما رواه عيسى عن ابن القاسم حرمة ذلك فإن كان الواقف حيا فسخه وجعله للذكور والإناث ، وإن مات مضى ، سادسها فسخ الحبس وجعله مسجدا إن لم يأب المحبس عليهم فإن أبوا لم يجز فسخه ويقر على حاله حبسا وإن كان الواقف حيا ، والمعتمد من هذه الأقوال ثانيها كما قال الشارح ومحل الخلاف إذا حصل الوقف على البنين دون البنات في حال الصحة وحصل الحوز قبل المانع ، أما لو كان الوقف في حالة المرض فباطل اتفاقا ولو حيز ; لأنه عطية لوارث ، أو كان في حال الصحة وحصل المانع قبل الحوز فباطل اتفاقا ومحله أيضا ما لم يحكم بصحته حاكم ولو مالكيا ، وإلا صح اتفاقا ; لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف .

التالي السابق


الخدمات العلمية