صفحة جزء
سورة الصافات

36 - القول الفصيح في تعيين الذبيح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد : فقد وردت إلي فتوى في السيد إسحاق ، والسيد إسماعيل من الذبيح منهما ؟ والخلاف الوارد فيهما ما الأصح والراجح منه ؟

فأجبت : الخلاف في الذبيح معروف مشهور بين الصحابة فمن بعدهم ، ولكل من القولين حجج ، أما القول بأنه إسماعيل فهو قول علي ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي الطفيل [ ص: 378 ] وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والشعبي ، ويوسف بن مهران ، والحسن البصري ، ومحمد بن كعب القرظي ، وسعيد بن المسيب ، وأبي جعفر الباقر ، وأبي صالح ، والربيع بن أنس ، والكلبي ، وأبي عمرو بن العلاء ، وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، ورجحه جماعة خصوصا غالب المحدثين ، وقال أبو حاتم : الصحيح أنه إسماعيل ، وقال البيضاوي : إنه الأظهر ، وفي الهدى أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم .

قال : وأما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجها ، روى الحاكم في المستدرك ، وابن جرير في تفسيره ، والأموي في مغازيه ، والخلعي في فوائده من طريق إسماعيل بن أبي كريمة ، عن عمر بن أبي محمد الخطابي ، عن العتبي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي قال : " حضرنا مجلس معاوية رضي الله عنه فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم أيهما الذبيح ؟ فقال بعض القوم : إسماعيل ، وقال بعضهم بل : إسحاق ، فقال معاوية : على الخبير سقطتم ، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أعرابي فقال : يا رسول الله ، خلفت الكلأ يابسا ، والماء عابسا ، هلك العيال ، وضاع المال ، فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه ، فقال القوم : من الذبيحان يا أمير المؤمنين ؟ قال : إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه فلما فرغ أسهم بينهم وكانوا عشرة ، فخرج السهم على عبد الله فأراد أن ينحره فمنعه أخواله بنو مخزوم ، وقالوا : أرض ربك وافد ابنك ففداه بمائة ناقة ، قال معاوية : هذا واحد والآخر إسماعيل " هذا حديث غريب وفي إسناده من لا يعرف حاله .

وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة ، عن أبي عاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس قال : لما أمر إبراهيم بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى ، فسابقه فسبقه إبراهيم ، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى ، فرماه بسبع حصيات ، وثم تله للجبين ، وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال له : يا أبت ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه ، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه ( أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا ) الحديث بطوله في المناسك ، ثم رواه أحمد من طريق حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فذكره إلا أنه قال : إسحاق ، قال ابن كثير : والأول أصح ؛ لأن أمور المناسك إنما وقعت [ ص: 379 ] لإبراهيم وإسماعيل .

وروى أحمد أيضا عن سفيان ، عن منصور ، عن خاله مسافع ، عن صفية بنت شيبة قالت : " أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا ، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة ، وقالت مرة : أنها سألت عثمان : لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قال : إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما ، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين " .

قال ابن كثير : هذا دليل مستقل على أن الذبيح إسماعيل ، فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف ، وقال الشعبي : قد رأيت قرني الكبش في الكعبة ، وقال ابن جرير : ثنا يونس ، أنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : المفدى إسماعيل ، وزعمت اليهود أنه إسحاق ، وكذبت اليهود ، وقال ابن إسحاق : ذكر محمد بن كعب أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل كان يهوديا فأسلم ، وحسن إسلامه وكان من علمائهم فسأله : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ، وقال ابن كثير : نص في التوراة أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة ، وولد إسحاق وله تسع وتسعون ، وعندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده - وفي نسخة : بكره - فأقحموا هاهنا كذبا وحسدا ( إسحاق ) وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره ، فإن إسماعيل كان بمكة ، وهذا تحريف وتأويل باطل فإنه لا يقال : وحيد إلا لمن ليس له غيره ، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليست لمن بعده من الأولاد ، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار ; ولأن الله تعالى قال بعد ذلك : ( وبشرناه بإسحاق ) فدل على أن المأمور بذبحه غيره وقال : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) أي يولد له ولد يسمى يعقوب وذلك لا يتخلف فامتنع أن يؤمر بذبحه ، قال : ومن قال إنه إسحاق فإنما أخذه عن أهل الكتاب بلا حجة ، وليس فيه كتاب ولا سنة ، قال : وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ، وهو ما رواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن زيد بن حباب ، عن الحسن بن دينار ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الذبيح إسحاق " والحسن بن دينار متروك وشيخه منكر الحديث ، وقد رواه ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد به مرفوعا ، ثم رواه عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن الأحنف ، عن العباس قوله ، وهذا أشبه وأصح انتهى .

[ ص: 380 ] قلت : قد رفعه مبارك مرة فرواه البزار في مسنده عن معمر بن سهل الأهوازي ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن مبارك ، عن الحسن ، عن الأحنف ، عن العباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الذبيح إسحاق " وله شواهد أحدها ما أخرجه البزار عن أبي كريب ، عن زيد بن الحباب ، عن أبي سعيد ، عن علي بن زيد ، عن الحسن ، عن الأحنف ، عن العباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال داود : أسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، قال : أما إبراهيم ، فألقي في النار فصبر في أجلي ، وتلك بلية لم تنلك ، وأما إسحاق فبذل نفسه للذبح فصبر من أجلي ، وتلك بلية لم تنلك ، وأما يعقوب فغاب يوسف عنه ، وتلك بلية لم تنلك " وأبو سعيد : هو الحسن بن دينار ضعيف كما تقدم ، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية ، عن محمد بن حرب النسائي ، عن عبد المؤمن بن عباد ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن داود سأل ربه مسألة فقال : اجعلني مثل إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، فأوحى الله إليه أني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر ، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر ، وابتليت يعقوب فصبر " .

الحديث الثاني : ما أخرجه الدارقطني والديلمي في مسند الفردوس من طريقه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب ، عن الحسين بن فهم ، عن خلف بن سالم ، عن بهز بن أسد ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذبيح إسحاق " .

الثالث : ما أخرجه الطبراني في الكبير من طريق شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص قال : " افتخر رجل عند ابن مسعود - وفي لفظ : فاخر أسماء بن خارجة رجلا فقال : أنا ابن الأشياخ الكرام ، فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله " وهذا إسناد صحيح موقوف ، وروي أيضا عنه قال : " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أكرم الناس ؟ قال : يوسف بن إسحاق ذبيح الله " وفي سنده بقية وهو مدلس ، وأبو عبيدة عن أبيه عبد الله منقطع .

الرابع : ما أخرجه الطبراني في الأوسط ، وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي ، أو شفاعتي فاخترت شفاعتي ، ورجوت أن يكون أعم لأمتي ، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي ، إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له : يا إسحاق سل تعطه ، قال : أما والله لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان : اللهم من مات لا يشرك بك شيئا قد أحسن فاغفر له " وعبد الرحمن ضعيف ، قال ابن كثير : والحديث غريب [ ص: 381 ] منكر ، قال : وأخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة ، وهي قوله : إن الله لما فرج إلى آخره ، وإن كان محفوظا فالأشبه أن السياق عن إسماعيل ، وحرفوه بإسحاق .

وأخرج عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن القاسم قال : اجتمع أبو هريرة ، وكعب فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لكل نبي دعوة مستجابة ، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " فقال كعب : " أفلا أخبرك عن إبراهيم ؟ إنه لما رأى ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان : إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا ، فخرج إبراهيم بابنه ; ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة ، فقال : أين ذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت : غدا به لبعض حاجاته ، قال : فإنه لم يغد به لحاجة ، وإنما ذهب به ليذبحه ، قالت : ولم يذبحه ؟ قال : زعم أن ربه أمره بذلك ، قالت : قد أحسن أن يطيع ربه ، فذهب الشيطان في أثرهما ، فقال للغلام : أين ذهب بك أبوك ؟ قال : لبعض حاجاته ، قال : فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك ، قال : ولم يذبحني ؟ قال : يزعم أن ربه أمره بذلك ، قال : فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن ، فتركه ولحق بإبراهيم ، فقال : أين غدوت بابنك ؟ قال : لحاجة قال : فإنك لم تغد به لحاجة إنما غدوت به لتذبحه ، قال : ولم أذبحه ؟ قال : تزعم أن ربك أمرك بذلك ، قال : فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن ، فتركه ويئس أن يطاع " وقد رواه ابن جرير ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن حارثة الثقفي أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة فذكره بطوله ، وقال في آخره : " وأوحى الله إلى إسحاق : إني أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها ، قال إسحاق : اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة " ، وقال عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد : أنا الليث بن خالد أبو بكر البلخي ، حدثنا محمد بن ثابت العبدي ، عن موسى بن أبي بكر عن سعيد بن جبير قال : لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة واحدة ، فلما صرف عنه الذبح وأمر بذبح الكبش ذبحه ، ثم راح به رواحا إلى منزله في عشية واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال ، وهذا القول نسبه القرطبي للأكثرين ، وعزاه البغوي وغيره إلى عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وجابر ، والعباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والشعبي ، وعبيد بن عمير ، وأبي ميسرة ، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن شقيق ، والزهري ، والقاسم بن يزيد ، ومكحول ، وكعب ، وعثمان بن حاضر ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، وأبي [ ص: 382 ] الهذيل ، وابن سابط ، ومسروق ، وعطاء ، ومقاتل - وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس - واختاره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ، وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه كان قد بلغ معه السعي - أي : العمل - ومن الممكن أنه كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا ، وأما القرنان فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام ، وقال سعيد بن جبير : سار به من الشام على البراق حتى أتى به منى في ليلة واحدة ، فلما صرف عنه الذبح سار به كذلك ، وأخرج من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : ( وبشرناه بإسحاق نبيا ) قال : بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح ، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده ، وجزم بهذا القول القاضي عياض في الشفا ، والسهيلي في التعريف والإعلام ، وكنت ملت إليه في علم التفسير ، وأنا الآن متوقف في ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية