صفحة جزء
الثالث : سئل بعضهم كيف يراه الراؤن المتعددون في أقطار متباعدة ؟ فأنشدهم :


كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

وفي مناقب الشيخ تاج الدين بن عطاء الله عن بعض تلامذته قال : حججت ، فلما كنت في الطواف رأيت الشيخ تاج الدين في الطواف فنويت أن أسلم عليه إذا فرغ من طوافه ، فلما فرغ من الطواف جئت فلم أره ثم رأيته في عرفة كذلك وفي سائر المشاهد كذلك ، فلما رجعت إلى القاهرة سألت عن الشيخ فقيل لي : طيب ، فقلت : هل سافر ؟ قالوا : لا ، فجئت إلى الشيخ وسلمت عليه فقال لي : من رأيت ؟ فقلت : يا سيدي رأيتك ، فقال : يا فلان الرجل الكبير يملأ الكون لو دعي القطب من حجر لأجاب ، فإذا كان القطب يملأ الكون فسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - من باب أولى ، وقد تقدم عن الشيخ أبي العباس الطنجي أنه قال : وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

الرابع : قال قائل : يلزم على هذا أن تثبت الصحبة لمن رآه . والجواب : أن ذلك ليس بلازم ، أما إن قلنا : بأن المرئي المثال فواضح لأن الصحبة إنما تثبت برؤية ذاته الشريفة جسدا وروحا ، وإن قلنا : المرئي الذات فشرط الصحبة أن يراه وهو في عالم الملك ، وهذه رؤية وهو في عالم الملكوت ، وهذه الرؤية لا تثبت صحبته ، ويؤيد ذلك أن الأحاديث وردت بأن جميع أمته عرضوا عليه فرآهم ورأوه ولم تثبت الصحبة للجميع لأنها رؤية في عالم الملكوت فلا تفيد صحبته .

خاتمة : أخرج أحمد في مسنده ، والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق أبي العالية [ ص: 320 ] عن رجل من الأنصار قال : ( خرجت من أهلي أريد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه فظننت أن لهما حاجة ، قال الأنصاري : لقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جعلت أرثي له من طول القيام ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام ، قال : ولقد رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : أتدري من هو ؟ قلت : لا ، قال : ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، ثم قال : أما إنك لو سلمت رد عليك السلام ) .

وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن تميم بن سلمة قال : بينا أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ انصرف من عنده رجل فنظرت إليه موليا معتما بعمامة قد أرسلها من ورائه قلت : يا رسول الله من هذا ؟ قال : ( هذا جبريل ) .

وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال : ( مررت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه جبريل فسلمت عليه ومررت ، فلما رجعنا وانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هل رأيت الذي كان معي ؟ قلت : نعم ، قال : فإنه جبريل وقد رد عليك السلام ) .

وأخرج ابن سعد عن حارثة قال : رأيت جبريل من الدهر مرتين ، وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عباس قلت : كنت مع أبي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا فقال لي أبي : يا بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني ؟ قلت : يا أبت إنه كان عنده رجل يناجيه فرجع فقال : يا رسول الله قلت لعبد الله كذا وكذا فقال إنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد ؟ قال : وهل رأيته يا عبد الله ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك جبريل هو الذي يشغلني عنك .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال : رأيت جبريل مرتين ، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : ( عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من الأنصار فلما دنا من منزله سمعه يتكلم في الداخل فلما دخل لم ير أحدا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كنت تكلم ؟ قال : يا رسول الله دخل علي داخل ما رأيت رجلا قط بعدك أكرم مجلسا ولا أحسن حديثا منه ، قال : ذاك جبريل وإن منكم لرجالا لو أن أحدهم يقسم على الله لأبره ) وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف عن أبي جعفر قال : كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن حذيفة بن اليمان : ( أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول : اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره أهل أن تحمد إنك على كل [ ص: 321 ] شيء قدير ، اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي ، واعصمني فيما بقي من عمري ، وارزقني عملا زاكيا ترضى به عني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ذاك ملك أتاك يعلمك تحميد ربك " . وأخرج محمد بن نصر عن أبي هريرة قال : بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول : اللهم لك الحمد كله ، قال : فذكر الحديث نحوه .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الذكر ، عن أنس بن مالك قال : " قال أبي بن كعب : لأدخلن المسجد ، فلأصلين ولأحمدن الله بمحامد لم يحمده بها أحد ، فلما صلى وجلس ليحمد الله ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول : اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، علانيته وسره ، لك الحمد إنك على كل شيء قدير ، [ اللهم ] اغفر لي ما مضى من ذنوبي ، واعصمني فيما بقي من عمري ، وارزقني أعمالا زاكية ترضى بها عني ، وتب علي ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه ، فقال : ذاك جبريل " .

وأخرج الطبراني والبيهقي ، عن محمد بن مسلمة قال : " مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا خده على خد رجل ، فلم أسلم ، ثم رجعت ، فقال لي : ما منعك أن تسلم ؟ قلت : يا رسول الله ، رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئا ما فعلته بأحد من الناس ، فكرهت أن أقطع عليك حديثك ، فمن كان يا رسول الله ؟ قال : جبريل " .

وأخرج الحاكم عن عائشة قالت : " رأيت جبريل واقفا في حجرتي هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناجيه ، فقلت : يا رسول الله من هذا ؟ قال : بمن شبهته ؟ قلت : بدحية قال : لقد رأيت جبريل " .

وأخرج البيهقي عن حذيفة قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج ، فتبعته ، فإذا عارض قد عرض له ، فقال لي : يا حذيفة هل رأيت العارض الذي عرض لي ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبلها ، استأذن ربه ، فسلم علي ، وبشرني بالحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة " .

وأخرج أحمد ، والبخاري تعليقا ، ومسلم ، والنسائي ، وأبو نعيم ، والبيهقي ، كلاهما في دلائل النبوة ، عن أسيد بن حضير ، أنه بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت فسكنت ، ثم قرأ فجالت ، فسكت فسكنت ، فرفع رأسه إلى السماء ، فإذا هي بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت تنظر الناس [ ص: 322 ] إليها لا تتوارى منهم .

وأخرج الواقدي وابن عساكر ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : رأيت يوم بدر رجلين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما وعن يساره أحدهما ، يقاتلان أشد القتال ، ثم ثلثهما ثالث من خلفه ، ثم ربعهما رابع أمامه .

وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده ، وابن جرير في تفسيره ، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة ، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه أنه قال بعد ما عمي : لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أتمارى .

وأخرج البيهقي عن أبي بردة بن نيار قال : " جئت يوم بدر بثلاثة رءوس ، فوضعتهن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، أما رأسان فقتلتهما ، وأما الثالث فإني رأيت رجلا أبيض طويلا ضربه ، فأخذت رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك فلان من الملائكة " .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : كان الملك يتصور في صورة من تعرفون من الناس يثبتونهم ، فيقول : إني دنوت منهم فسمعتهم يقولون : لو حملوا علينا ما ثبتنا ، ليسوا بشيء ، فذلك قوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) .

وأخرج أحمد ، وابن سعد ، وابن جرير ، وأبو نعيم في الدلائل ، عن ابن عباس قال : " كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو ، وكان أبو اليسر رجلا جموعا ، وكان العباس رجلا جسيما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا اليسر كيف أسرت العباس ؟ فقال : يا رسول الله ، لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيئته كذا وكذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم " .

وأخرج ابن سعد والبيهقي ، عن عمار بن أبي عمار : " أن حمزة بن عبد المطلب قال : يا رسول الله أرني جبريل في صورته ، قال : اقعد فقعد ، فنزل جبريل على خشبة كانت في الكعبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارفع طرفك [ فانظر ، فرفع طرفه ] فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر " .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور ، والطبراني في الأوسط ، عن ابن عمر قال : " بينا أنا أسير بجنبات بدر ، إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة فناداني ، يا عبد الله اسقني ، وخرج رجل من تلك الحفرة في يده سوط ، فناداني يا عبد الله لا تسقه ; فإنه كافر ، ثم ضربه بالسوط حتى عاد إلى حفرته ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال لي : أوقد رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة " .

[ ص: 323 ] محل الاستدلال رؤيته الرجل الذي خرج عقبه وضربه بالسوط ، فإنه الملك الموكل بتعذيبه ، وأخرج ابن أبي الدنيا ، والطبراني ، وابن عساكر ، من طريق عروة بن رويم ، عن العرباض بن سارية الصحابي رضي الله عنه ، أنه كان يحب أن يقبض ، فكان يدعو : اللهم كبرت سني ، ووهن عظمي ، فاقبضني إليك ، قال : فبينما أنا يوما في مسجد دمشق وأنا أصلي وأدعو أن أقبض ، إذا أنا بفتى شاب من أجمل الرجال ، وعليه رواح أخضر ، فقال : ما هذا الذي تدعو به ؟ قلت : وكيف أدعو ؟ قال : قل : اللهم حسن العمل ، وبلغ الأجل ، قلت : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا رتاييل الذي يسل الحزن من صدور المؤمنين ، ثم التفت فلم أر أحدا .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه ، عن سعيد بن سنان قال : أتيت بيت المقدس أريد الصلاة ، فدخلت المسجد ، فبينما أنا على ذلك ، إذ سمعت حفيفا له جناحان قد أقبل وهو يقول : سبحان الدائم القائم ، سبحان الحي القيوم ، سبحان الملك القدوس ، سبحان رب الملائكة والروح ، سبحان الله وبحمده ، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ، ثم أقبل حفيف يتلوه يقول مثل ذلك ، ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد ، فإذا بعضهم قريب مني فقال : آدمي ؟ قلت : نعم ، قال : لا روع عليك ، هذه الملائكة .

تذنيب : ومما يمكن أن يدخل هنا ما أخرجه أبو داود من طريق أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له من الأنصار ، أن عبد الله بن زيد قال : يا رسول الله ، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت ، فأراني الأذان ، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما . وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين ، أن عبد الله بن زيد قال : لولا اتهامي لنفسي لقلت : إني لم أكن نائما ، وفي سنن أبي داود من طريق ابن أبي ليلى : جاء رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين ، فأذن ثم قعد قعدة ، ثم قام فقال مثلها ، إلا أنه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقول الناس لقلت : إني كنت يقظانا غير نائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أراك الله خيرا .

فقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود : قوله : " إني لبين نائم ويقظان " مشكل ; لأن الحال لا يخلو عن نوم أو يقظة ، فكان مراده أن نومه كان خفيفا قريبا من اليقظة ، فصار كأنه درجة متوسطة بين النوم واليقظة . قلت : أظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ، ويسمعون ما يسمعون ، والصحابة رضي [ ص: 324 ] الله عنهم هم رءوس أرباب الأحوال . وقد ورد في عدة أحاديث أن أبا بكر وعمر وبلالا رأوا مثل ما رأى عبد الله بن زيد . وذكر إمام الحرمين في النهاية ، والغزالي في البسيط ، أن بضعة عشر من الصحابة كلهم قد رأى مثل ذلك . وفي الحديث [ أن ] الذي نادى بالأذان فسمعه عمر وبلال جبريل أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ، ويشبه هذا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه ، عن محمد بن المنكدر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر فرآه ثقيلا ، فخرج من عنده ، فدخل على عائشة ليخبرها بوجع أبي بكر ، إذ دخل أبو بكر يستأذن ، فدخل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب لما عجل الله له من العافية ، فقال : ما هو إلا أن خرجت من عندي فغفوت ، فأتاني جبريل عليه السلام ، فسطعني سطعة ، فقمت وقد برأت . فلعل هذه غفوة حال لا غفوة نوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية