صفحة جزء
حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله ، ثنا أحمد بن عيسى الوشاء ، ثنا سعيد بن الحكم ، قال : سمعت ذا النون ، يقول : " بينا أنا أسير ، في بعض سياحتي ، فإذا أنا بصوت حزين كئيب موجع القلب - أسمع الصوت ولا أرى الشخص - وهو يقول : سبحان مفني الدهور ، سبحان مخرب الدنيا ، سبحان مميت القلوب ، سبحان باعث من في القبور . فاتبعت الصوت فإذا أنا بنقب ، وإذا الصوت خارج من النقب وهو يقول : سبحان من لا يسع الخلق إلا سره ، سبحانك ما ألطفك بمن خالفك ، وأوفاك بعهدك ، سبحانك ما أحلمك عمن عصاك وخالف أمرك . ثم قال : سيدي بحلمك نطقت ، وبفضلك تكلمت ، وما أنا والكلام بين يديه بما لا يستأهله قدري ، فيا إله من مضى قبلي ويا إله من يكون بعدي ، بالصالحين فألحقني ، ولأعمالهم فوفقني . ثم قال : أين الزهاد والعباد ؟ أين الذين شدوا مطاياهم إلى منازل معروفة ، وأعمال موصوفة ، نزل بهم الزمان فأبلاهم ، وحل بهم البلاء فأفناهم ، فهل أنتظر إلا مثل الذي حل بهم . ثم أقبل على ما كان فيه . فقلت : رجل عزفت نفسه عن كلام الناس ، فانصرفت وتركته باكيا " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ، ثنا أبو عثمان ، قال : سمعت ذا النون ، يقول : " أشد المريدين نفاقا من لحظ لحظة أو نطق بكلمة بلا حجة استبانها فيما بينه وبين ربه ، ثم سئل عن الحجة فعبر عن نفسه بحجة كان قبل [ ص: 361 ] الفعل في الوقت غافلا " .

قال : وسمعت ذا النون ، وسأله رجل : أي الأحوال أغلب على قلب العارف السرور والفرح أم الحزن والهموم ؟ فقال : " أوصلنا الله وإياكم إلى جميل ما نأمله منه ، والعلم في هذا عندي - والله أعلم - أنه ليس هناك حال يشار إليه دون حال ، ولا سبب دون سبب ، وأنا أضرب لك مثلا : اعلم رحمك الله أن مثل العارف في هذه الدار مثل رجل قد توج بتاج الكرامة وأجلس على سرير في بيت ، ثم علق من فوق رأسه سيف بشعره ، وأرسل على باب البيت أسدان ضاريان ، فالملك يشرف كل ساعة بعد ساعة على الهلاك والعطب فأنى له بالسرور والفرح على التمام ؟ وبالله التوفيق " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد ، ثنا سعيد ، قال : سمعت ذا النون ، يقول : - وسئل عن الآفة التي يخدع بها المريد عن الله - ، فقال : " يريه الألطاف والكرامات والآيات . قيل له : يا أبا الفيض : فبم يخدع قبل وصوله إلى هذه الدرجة ، قال : بوطء الأعقاب ، وتعظيم الناس له ، والتوسع في المجالس ، وكثرة الأتباع فنعوذ بالله من مكره وخدعه " .

قال : وسمعت ذا النون وسئل : ما أساس قسوة القلب للمريد ؟ فقال : " ببحثه عن علوم رضى نفسه بتعليمها دون استعمالها والوصول إلى حقائقها " .

وقال : " لو أن الخلق عرفوا ذل أهل المعرفة في أنفسهم لحثوا التراب على رءوسهم وفي وجوههم . فقال رجل كان حاضرا في المجلس : رجل مؤيد . فذكرت لطاهر المقدسي فقال : سقى الله أبا الفيض ، حقا ما قال ، ولكني أقول : لو أبدى الله نور المعرفة للزاهدين والعابدين والمحتجبين عنه بالأحوال لاحترقوا واضمحلوا وتلاشوا حتى كأن لم يكونوا . قال الرجل : فذكرت لأحمد بن أبي الحواري فقال : أما أبو الفيض عافاه الله فقال ذلك في وقت ذكره لنفسه ، وأما طاهر فقال ذلك في وقت ذكره لربه ، وكل مصيب ، والله أعلم " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد ، ثنا سعيد ، قال : سمعت ذا النون ، يقول : " ثلاثة علامات الخوف : الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد ، وحفظ اللسان مراقبة للتعظيم ، ودواء الكمد إشفاقا من غضب الحليم . وثلاثة من أعمال الإخلاص : استواء المدح والذم من العامة ، ونسيان رؤيتهم في الأعمال نظرا إلى الله ، واقتضاء ثواب [ ص: 362 ] العمل في الآخرة بحسن عفو الله في الدنيا بحسن المدحة ، وثلاثة من أعمال الكمال : ترك الجولان في البلدان ، وقلة الاغتباط لنعماه عند الامتحان ، وصفو النفس في السر والإعلان ، وثلاثة من أعمال اليقين : قلة المخالفة للناس في العشرة ، وترك المدح لهم في العطية ، والتنزه عن ذمهم في المنع والرزية . وثلاثة من أعلام التوكل : نقض العلائق ، وترك التملق في السلائق ، واستعمال الصدق في الخلائق ، وثلاثة من أعلام الصبر : التباعد عن الخلطاء في الشدة ، والسكون إليه مع تجرع غصص البلية ، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحة المعيشة . وثلاثة من أعلام الحكمة : إنزال النفس من الناس كباطنهم ، ووعظهم على قدر عقولهم ليقوموا عنه بنفع حاضر . . . وثلاثة من أعلام الزهد : قصر الأمل ، وحب الفقر ، واستغناء مع صبر . وثلاثة من أعلام العبادة : حب الليل للسهر بالتهجد والخلوة ، وكراهة الصبح لرؤية الناس والغفلة ، والبدار بالصالحات مخافة الفتنة . وثلاثة من أعلام التواضع : تصغير النفس معرفة بالعيب ، وتعظيم الناس حرمة للتوحيد ، وقبول الحق والنصيحة من كل أحد . وثلاثة من أعمال السخاء : البذل للشيء مع الحاجة إليه ، وخوف المكافأة استقلالا للعطية ، والخوف على النفس استغناء لإدخال السرور على الناس . وثلاثة من أعلام حسن الخلق : قلة الخلاف على المعاشرين ، وتحسين ما يرد عليه من أخلاقهم ، وإلزام النفس اللائمة فيما يختلفون فيه كفا عن معرفة عيوبهم . وثلاثة من أعلام الرحمة للخلق : انزواء العقل للملهوفين ، وبكاء القلب لليتيم والمسكين ، وفقدان الشماتة بمصائب المسلمين ، وبذل النصيحة لهم متجرعا لمرارة ظنونهم ، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوه وكرهوه . وثلاثة من أعظم الاستغناء بالله : التواضع للفقراء المتذللين ، والتعظم على الأغنياء المتكبرين ، وترك المعاشرة لأبناء الدنيا المستكبرين . وثلاثة من أعلام الحياء : وجدان الأنس بفقدان الوحشة ، والامتلاء من الخلوة بإدمان التفكر ، واستشعار الهيبة بخالص المراقبة . وثلاثة من أعلام المعرفة : الإقبال على الله ، والانقطاع إلى الله ، [ ص: 363 ] والافتخار بالله . وثلاثة من أعلام التسليم : مقابلة القضاء بالرضا ، والصبر عند البلا ، والشكر عند الرخا " .

حدثنا عثمان بن محمد ، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي ، حدثني عبد الله بن سهل ، قال : سألت ذا النون فقلت : متى أعرف ربي ؟ قال : إذا كان لك جليسا ، ولم تر لنفسك سواه أنيسا ، قلت : فمتى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما أسخطه عندك أمر من الصبر ، قلت : فمتى أشتاق إلى ربي ؟ قال : إذا جعلت الآخرة لك قرارا ، ولم تسم الدنيا لك مسكنا ودارا .

سمعت أبا محمد بن حيان ، يقول : سمعت عمر بن يحيى ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول : " مكتوب في التوراة : ملعون من ثقته إنسان مثله " .

سمعت محمد بن إبراهيم ، يقول : سمعت محمد بن ريان ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول - وجاءه أصحاب الحديث ليسألوه عن الخطرات والوسواس - فقال : " أنا أتكلم في شيء من هذا ! فإن هذا يحدث سلواني عن شيء من الصلاة والحديث " .

قال : ورأى ذو النون علي خفا أحمر فقال : " انزع هذا يا بني فإنه شهوة ، ما لبسه النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما لبس النبي صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين " .

سمعت محمد بن إبراهيم ، يقول : سمعت علي بن حاتم العثماني - بمصر - ، يقول : سمعت ذا النون - وأومأ إلى موضع بمصر - يقول : " كأنك عن قليل ترى هذه المدينة عامرة ، وتخرج منها الخيل المحذفة وقوم عجم ، وعن قليل تراها خرابا ، قال علي بن حاتم : ورأيناها عامرة ورأيناها خرابا " .

وسمعت ذا النون ، يقول : " القرآن كلام الله " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عباس بن حمدان ، ثنا أبو الحسن صاحب الشافعي ، قال : " حضرت جنازة ذي النون فرأيت الخفافيش تقع على نعشه وبدنه وتطير " .

حدثنا محمد بن علي ، قال : سمعت محمد بن زياد ، يقول : " لما مات ذو النون رأيت على جنازته طيورا خضراء فلا أدري أي شيء كان . ومات عندنا [ ص: 364 ] بمصر فأمر أن يجعل قبره مع الأرض " .

حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي بن عبد الله بن حمدان - بالكوفة - ، ثنا عبد الله بن محمد السمناني ، ثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد البغدادي المكفوف ، ثنا أبو الفيض بن إبراهيم المصري ذو النون - سنة خمس وأربعين ومائتين بسر من رأى - قال : " رأيت رجلا في برية يمشي حافيا وهو يقول : المحب مجروح الفؤاد لا راحة له ، قد زحزحت الجرحة الدواء وأزعج الدواء الداء ، فاجتمعا والقلب بينهما بحول يرتكض ، فسلمت عليه فقال لي : وعليك السلام يا ذا النون . قلت : عرفتني قبل هذا ؟ قال : لا . قلت : فمن أين لك هذه الفراسة ؟ فقال : ممن يملكها ليست مني ، هو الذي نور قلبي بالفراسة حتى عرفني إياك من غير معرفة سبقت لي ، يا ذا النون ! قلبي عليل وجسمي مشغول وأنا سائح في البرية ، أسير فيها منذ عشرين سنة ما أعرف بيتا ولا يكنني سقف يسترني من الشمس إذا لظت ، ويحفظني من الرياح إذا هبت ، ويكلؤني من الحر والبرد جميعا ، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصافا ، ثم جلس وجلست ، فقلت : القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه ، ليس للقلب مع ما يجول من أصل الأسقام دواء ، وإن يستجلب الأحزان من استجلبها يطول سقمه ليشكوه ويشكو إليه ، فصرخ صرخة ، ثم قال : ما لي وللشكوى ؟ أما لو طالت البلوى حتى أصير رميما ما تحركت لي جارحة بالشكوى " .

قال ذو النون : " فقلت : طرقت الفكرة في قلوب أهل الرضا فمالت بهم ميلة ، فزعزعت الجوى ، ودكدكت الضمير ، فاختلفا جميعا ، فالتويا فعرفتا طريق الرضا منهم بالألفة إليه ، فوهب لهم هبة ثم أتحفهم بتحفة الرضا ، فماجت في بحار قلوبهم موجة فهيجت منها اللذة ، لا بل هيجت منها هيجان اللذات ، فشخصت بالحلاوة التي أتحفت إلى من أتحفها ، فمرت تطير من جوف الجوى ، فأي طيران يكون أبهى من قلوب تطير إلى سيدها ؟ لقد هبت إليه بلا أجنحة تطير ، لقد مرت في الملكوت أسرع من هبوب الرياح ومن يردها وهو يدعوها إليه ، لقد فتح الباب حين هبت إليه طائرة فدخلت قبل أن تقرع الباب ، لقد مهد [ ص: 365 ] لها مهادا ، فتنزهت في روح رياض قدسه فهي له ومعه . فقال : يا ذا النون زدت الجرح قرحا ، وقتلت فأوجعت ، يا هذا ما صحبت صاحبا منذ صحبته أصحبك اليوم . قلت : فقم بنا . فقمنا جميعا نسير بلا زاد ، فلما وغلنا في البرية وطوينا ثلاثا ، فقال لي : قد جعت ؟ قلت : نعم ، قال : فأقسم عليه حتى يطعمك ؟ قلت : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا تسأله شيئا ، إن شاء أطعمك وإن شاء ترك . قال : فتبسم ، وقال : امض الآن فلقد أفيض علينا من أطايب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين ، ثم فارقني وفارقته . قال يوسف : فلقد رأيت ذا النون كلما ذكره بكى وتأسف على صحبته " .

حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله ، ثنا نصر بن شافع المقدسي الزاهد ، ثنا موسى بن علي الإخميمي ، قال : قال ذو النون : " وصف لي رجل باليمن قد برز على المخالفين ، وسما على المجتهدين . وذكر لي باللب والحكمة ، ووصف لي بالتواضع والرحمة . قال : فخرجت حاجا فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع من كلامه ، وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معي يطلبون منه مثل ما أطلب . وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ومنظر الخائفين ، وكان مصفار الوجه من غير مرض ، أعمش العينين من غير عمش ، ناحل الجسم من غير سقم ، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة ، تراه أبدا كأنه قريب عهد بالمصيبة أو قد فدحته نائبة . فخرج إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام عليه وصافحه فأبدى له الشيخ البشر والترحيب فسلمنا عليه جميعا ، ثم بدأ الشاب بالكلام ، فقال : إن الله تعالى بمنه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب ، ومعالجا لأوجاع الذنوب ، وبي جرح قد فعل ، وداء قد استكمل ، فإن رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك ، وتعالجني برفقك ، فقال له الشيخ : سل ما بدا لك يا فتى . فقال له الشاب : يرحمك الله ! ما علامة الخوف من الله ؟ فقال : أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه . ثم قال : يرحمك الله متى يتبين للعبد خوفه من ربه ؟ قال : إذا أنزل نفسه من الله بمنزلة السقيم ، فهو يحتمي من كل الطعام مخافة السقام ، ويصبر على مضض كل دواء مخافة طول الضنا . فصاح الفتى صيحة ، وقال : عافيت فأبلغت ، وعالجت فشفيت ، ثم بقي [ ص: 366 ] باهتا ساعة لا يحير جوابا حتى ظننت روحه قد خرجت من بدنه ، ثم قال : يرحمك الله ! ما علامة المحب لله ؟ قال له : حبيبي إن درجة الحب رفيعة ، قال : فأنا أحب أن تصفها لي . قال : إن المحبين لله شق لهم من قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله ، فصارت أبدانهم دنياوية ، وأرواحهم حجبية ، وعقولهم سماوية ، تسرح بين صفوف الملائكة كالعيان وتشاهد ملك الأمور باليقين ، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم بحبهم له لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار . قال : فشهق الفتى شهقة وصاح صيحة كانت فيها نفسه . قال : فانكب الشيخ عليه يلثمه وهو يقول : هذا مصرع الخائفين ، هذه درجة المجتهدين ، هذا أمان المتقين " .

حدثنا أحمد بن المعلى الصفدي الوراق ، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى الرازي ، ثنا يوسف بن الحسين ، ومحمد بن أحمد ، قالا : سمعنا ذا النون ، يقول : " دارت رحى الإرادة على ثلاث : على الثقة بوعد الله ، والرضا ، ودوام قرع باب الله " .

حدثنا أحمد ، ثنا أحمد ، ثنا يوسف ، ومحمد ، قالا : سمعنا ذا النون ، يقول : " طوبى لمن أنصف ربه عز وجل ، قيل : وكيف ينصف ربه ؟ قال : يقر له بالآفات في طاعاته ، وبالجهل في معصيته ، وإن آخذه بذنوبه رأى عدله ، وإن غفر له رأى فضله ، وإن لم يتقبل منه حسناته لم يره ظالما لما معه من الآفات ، وإن قبلها رأى إحسانه لما جاد به من الكرامات " .

سمعت أبي يقول : سمعت أبا الحسن الملطي ، يقول : سمعت أبا عبد الله الجلاء يقول : " خرجت إلى شط نيل مصر فرأيت امرأة تبكي وتصرخ فأدركها ذو النون ، فقال لها : ما لك تبكين ؟ فقالت : كان ولدي وقرة عيني على صدري ، فخرج تمساح فاستلب مني ولدي . قال : فأقبل ذو النون على صلاته وصلى ركعتين ودعا بدعوات ، فإذا التمساح خرج من النيل والولد معه ودفعه إلى أمه ، قال أبو عبد الله : فأخذته وأنا كنت أرى " .

حدثنا أبي ، ثنا أبو الحسن بن أبان ، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان ، قال : سمعت ذا النون ، يقول : قال بعض الحكماء : " ما خلص العبد لله إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف " .

[ ص: 367 ] حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : سمعت عبد الحكم بن أحمد بن سلام ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول : " نعوذ بالله من النبطي إذا استعرب " .

سمعت محمد بن إبراهيم ، يقول : سمعت عبد الحكم بن أحمد بن سلام ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول : " رأيت في برية موضعا له دندرة فإذا كتاب فيه مكتوب : احذروا العبيد المعتقين والأحداث المتقربين ، والجند المتعبدين ، والنبط المستعربين " .

قال " وكان ذو النون رجلا نحيفا يعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية " .

حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن حمدان النيسابوري ، ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشامي ، سمعت ذا النون ، يقول : " إلهي إن أهل معرفتك لما أبصروا العافية ، ولمحوا بأبصارهم إلى منتهى العاقبة وأيقنوا بجودك وكرمك وابتدائك إياهم بنعمك ودللتهم على ما فيه نفعهم دونك ، إذ كنت متعاليا عن المضار والمنافع ، استقلوا كثير ما قدموا من طاعتك واستصغروا عظيم ما اقترفوا من عبادتك ، واستلانوا ما استوعره غيرهم . بذلوا المجهود في طلب مرضاتك ، واستعظموا صغر التقصير في أداء شكرك ، وإن كان ليس شيء من التقصير في طاعتك ، بذل المجهود صغيرا كان عندهم ، فنحلت لذلك أبدانهم ، وتغيرت لذلك ألوانهم ، وخلت من غيرك قلوبهم ، واشتغلت بذكرك عقولهم وألسنتهم ، وانصرفت عن خلقك إليك همومهم ، وأنست وطابت بالخلوة فيك نفوسهم ، لا يمشون بين العباد إلا هونا ، وهم لا يسعون في طاعتك إلا ركضا .

إلهي ! فكما أكرمتهم بشرف هذه المنازل ، وأبحتهم رفعة هذه الفضائل ، اعقد قلوبنا بحبل محبتك ، ثم حولنا في ملكوت سماواتك وأرضك ، واستدرجنا إلى أقصى مرادك درجة درجة ، واسلك بنا مسلك أصفيائك منزلة منزلة ، واكشف لنا عن مكنون علمك حجابا حجابا ، حتى تنتهي إلى رياض الأنس ، وتجتني من ثمار الشوق إليك ، وتشرب من حياض معرفتك ، وتتنزه في بساتين نشر آلائك وتستنقع في غدران ذكر نعمائك ، ثم ارددها إلينا بطرف الفوائد ، وامددها بتحف الزوائد ، واجعل العيون منا فوارة بالعبرات ، والصدور منا محشوة بالحرقات ، واجعل قلوبنا من القلوب [ ص: 368 ] التي سافرت إليك بالجوع والعطش ، واجعل أنفسنا من الأنفس التي زالت عن اختيارها لهيبتك ، أحينا ما أحييتنا على طاعتك ، وتوفنا إذا توفيتنا على ملتك راضين مرضيين ، هداة مهديين مهتدين غير مغضوب علينا ولا ضالين " .

سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول : سمعت الحسن بن علي بن خلف ، يقول : سمعت إسرافيل ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول :


أموت وما ماتت إليك صبابتي ولا رويت من صرف حبك أوطاري



سمعت أحمد بن محمد ، يقول : سمعت الحسن بن علي ، يقول : سمعت إسرافيل ، يقول : سمعت رجلا يسأل ذا النون : متى تصح عزلة الخلق ؟ فقال : " إذا قويت على عزلة النفس " .

حدثنا أحمد بن محمد ، حدثني أحمد بن عثمان المكي الصوفي ، عن أبيه ، قال : قال لنا ذو النون المصري : " رأيت في التيه أسود كلما ذكر الله ابيض لونه ، فقلت له : يا هذا إنه ليبدو عليك حال يغيرك ، فقال : إليك عني يا ذا النون ، فإنه لو بدا عليك ما يبدو علي لجلت كما أجول ، ثم أنشأ يقول :


ذكرنا وما كنا نسينا فنذكر     ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر
فأحبابه طورا وأغدى به له     إذا الحق عنه مخبر ومغبر



حدثنا أحمد بن محمد ، قال : سمعت الحسن بن علي ، يقول : سمعت إسرافيل ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول : " نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له : ما الذي أثار منك ما أرى ؟ " قال : ذهب الزهاد والعباد بصفو الإخلاص وبقيت في كدر الانتقاص ، فهل من دليل مرشد أو حكيم موقظ ؟ قال : وسمعت ذا النون ، يقول : " وقد مر به قوم على الدواب وأنا جالس معه فقال : هل ترى كنيفا على كنيف " .

حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يزيد ، قال : سمعت أحمد بن محمد بن عمر ، يقول : سمعت سعيد بن عثمان الخياط ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول وسأله رجل : يا أبا الفيض رحمك الله ، من أراد التواضع كيف السبيل إليه ؟ فقال له : " افهم ما ألقي إليك ، من أراد إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه لأن النفوس كلها [ ص: 369 ] حقيرة عند هيبته ، ومن أشرف التواضع أن لا ينظر إلى نفسه دون الله ، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من تواضع لله رفعه الله " يقول : من تذلل بالمسكنة والفقر إلى الله رفعه الله بعز الانقطاع إليه " .

التالي السابق


الخدمات العلمية