صفحة جزء
المسألة الثانية : اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز ، قال الزجاج : إنه حقيقة ، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى عليه ، تقول العرب : لك عندي قرض حسن وسيئ ، والمراد منه الفعل الذي يجازى عليه ، قال أمية بن أبي الصلت :


كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا أو مدينا كالذي دانا



ومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع ، ومنه القراض ، وانقرض القوم إذا هلكوا ، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها .

والقول الثاني : أن لفظ القرض ههنا مجاز ، وذلك لأن القرض هو أن يعطي الإنسان شيئا ليرجع إليه مثله ، وههنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه :

أحدها : أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال .

وثانيها : أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل ، وفي هذا الإنفاق هو الضعف .

وثالثها : أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكا له ، وههنا هذا المال المأخوذ ملك لله ، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضا ، والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله ، فكما أن القرض يجب أداؤه لا يجوز الإخلال به فكذا الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة ، ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود : إن الله فقير ونحن أغنياء ، فهو يطلب منا القرض ، وهذا الكلام لائق بجهلهم وحمقهم ، لأن الغالب عليهم التشبيه ، ويقولون : إن معبودهم شيخ ، قال القاضي : من يقول في معبوده مثل هذا القول لا يستبعد منه أن يصفه بالفقر .

فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) ولأي فائدة جرى الكلام على طريق الاستفهام ؟

[ ص: 143 ] قلنا : إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر .

التالي السابق


الخدمات العلمية