صفحة جزء
المسألة الخامسة : ( والخيل المسومة ) قال الواحدي : الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، كالقوم والنساء والرهط ، وسميت الأفراس خيلا لخيلائها في مشيها ، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا ، وسمي الخيال خيالا ، والتخيل تخيلا ، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة ، والأخيل الشقراق ، لأنه يتخيل تارة أخضر ، وتارة أحمر ، واختلفوا في معنى ( المسومة ) على ثلاثة أقوال : الأول : أنها الراعية ، يقال : أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي ، كما يقال : أقمت الشيء وقومته ، وأجدته وجودته ، وأنمته ونومته ، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسنا ، ومنه قوله تعالى : ( فيه تسيمون ) [ النحل : 10 ] .

والقول الثاني : المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد ، ومعناه واحد ، وهو الهيئة الحسنة ، قال الله تعالى : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) [ الفتح : 29 ] ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة ، فقال أبو مسلم : المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل ، وهي أن تكون الأفراس غرا محجلة ، وقال الأصم : إنما هي البلق ، وقال قتادة : الشية ، وقال المؤرج : الكي ، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال ، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا ، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفا في الفرس .

[ ص: 172 ] القول الثالث : وهو قول مجاهد وعكرمة : أنها الخيل المطهمة الحسان ، قال القفال : المطهمة المرأة الجميلة .

المرتبة السادسة : ( الأنعام ) وهي جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، ولا يقال للجنس الواحد منها : نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها .

المرتبة السابعة : ( والحرث ) وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله ( ويهلك الحرث والنسل ) [ البقرة : 205 ] .

ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال : ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) قال القاضي : ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال : إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى ؟

ثم قال : للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه :

منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموما .

ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضا مذموما .

ومنها أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم .

ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح .

ثم قال تعالى : ( والله عنده حسن المآب ) اعلم أن المآب في اللغة المرجع ، يقال : آب الرجل إيابا وأوبة وأيبة ومآبا ، قال الله تعالى : ( إن إلينا إيابهم ) والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته ، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن .

فإن قيل : المآب قسمان : الجنة وهي في غاية الحسن ، والنار وهي خالية عن الحسن ، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن ؟

قلنا : المآب المقصود بالذات هو الجنة ، فأما النار فهي المقصود بالغرض ; لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، كما قال : سبقت رحمتي غضبي ، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة .

التالي السابق


الخدمات العلمية