1. الرئيسية
  2. التفسير الكبير
  3. سورة آل عمران
  4. قوله تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار
صفحة جزء
( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين )

قوله تعالى : ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) .

اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم ، وتقريرها أنهم قالوا : قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك ; فوجب أن لا تكون من الأنبياء ، فهذا بيان وجه النظم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوت ، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا ، وقد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، ويكون لها دوي خفيف ، تنزل من السماء ، فإن جئتنا بهذا صدقناك ، فنزلت هذه الآية . قال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحون لله ، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف ، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه ، وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان .

واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين :

الأول وهو قول السدي : أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط ، وذلك أنه تعالى قال في التوراة : من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما السلام . فإنهما إذا أتيا فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان تأكله النار . قال : وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح عليه السلام ، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت .

القول الثاني : أن ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة ، ويدل عليه وجوه :

أحدها : أنه لو كان ذلك [ ص: 99 ] حقا لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان ، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك ، فإن معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان .

وثانيها : أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء ، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة ، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر .

وثالثها : أنه إما أن يقال : إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة ، أو يقال : جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار ، أو شيء آخر ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن الإتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق ، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضا في هذه المعجزة المعينة .

وأما الثاني : فإنه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة ، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة ، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية ، والله أعلم .

المسألة الثانية : في محل " الذين " وجوه :

أحدها : قال الزجاج : الجر ، وهذا نعت العبيد ، والتقدير : وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا .

وثانيها : أن التقدير : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ، وقول الذين قالوا إن الله عهد إلينا .

وثالثها : أن يكون رفعا بالابتداء والتقدير : هم الذين قالوا ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية