صفحة جزء
( )

قوله تعالى : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير )

اعلم أن هذا من جملة ما دخل تحت قوله : ( ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) فبين تعالى أن من جملة أنواع هذا الأذى أنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ، ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والتقوى والصدق والديانة ، ولا شك أن الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمصابرة عليها ، وبين ما لهم من الوعيد الشديد . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتاء المنقطة من فوق ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء المنقطة من تحت ، وكذا في قوله : ( فلا تحسبنهم ) أما القراءة الأولى ففيها وجهان :

أحدهما : أن يقرأ كلاهما بفتح الباء .

والثاني : أن يقرأ كلاهما بضم الباء ، فمن قرأ بالتاء وفتح الباء فيهما جعل التقدير : لا تحسبن يا محمد ، أو أيها السامع ، ومن ضم الباء فيهما جعل الخطاب للمؤمنين ، وجعل أحد المفعولين " الذين يفرحون " ، والثاني : " بمفازة " وقوله : ( فلا تحسبنهم بمفازة ) تأكيد للأول ، وحسنت إعادته لطول الكلام ، كقولك : لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك في كذا وكذا فلا تظنه صادقا ، وأما القراءة الثانية وهي بالياء المنقطة من تحت في قوله : " لا يحسبن " ففيها أيضا وجهان :

الأول : بفتح الباء وبضمها فيهما ، جعل الفعل للرسول صلى الله عليه وسلم والباقي كما علمت .

والوجه الثاني : بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو ، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكر واحدا من مفعوليه ، ثم أعاد قوله : " فلا تحسبن " بضم الباء ، وقوله : ( هم ) رفع بإسناد الفعل إليه ، والمفعول الأول محذوف ، والتقدير : ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب .

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، والمفسرون ذكروا فيه وجوها :

الأول : أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها على الأغمار من الناس ، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب ، وهو قول ابن عباس ، وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك ، فإنهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان [ ص: 108 ] مطلوبهم ، ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل العفاف والصدق والدين .

والثاني : روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه ، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس ، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني عليهم بذلك ، فأطلع الله رسوله على هذا السر . والمعنى أن هؤلاء اليهود فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء .

الثالث : يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم ، حيث ادعوا أن إبراهيم عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه .

الرابع : أنه نزل في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث إنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا ، ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم .

الخامس : قال أبو سعيد الخدري : نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو ، ويفرحون بقعودهم عنه فإذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم ، ثم طمعوا أن يثني عليهم كما كان يثني على المسلمين المجاهدين .

السادس : المراد منه كتمانهم ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبالإقرار بنبوته ودينه ، ثم إنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى ، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة .

واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل ، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد ، وهو أن الإنسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به ، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على طاعة الله .

المسألة الثالثة : في قوله : ( بما أتوا ) بحثان :

الأول : قال الفراء : قوله : ( بما أتوا ) يريد فعلوه كقوله : ( واللذان يأتيانها منكم ) [ النساء : 16 ] وقوله : ( لقد جئت شيئا فريا ) [ مريم : 27 ] أي فعلت . قال صاحب الكشاف : أتى وجاء ، يستعملان بمعنى فعل ، قال تعالى : ( إنه كان وعده مأتيا ) [ مريم : 61 ] . ( لقد جئت شيئا فريا ) [ مريم : 27 ] ويدل عليه قراءة أبي " يفرحون بما فعلوا " .

البحث الثاني : قرئ آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي الله عنه " بما أوتوا " .

المسألة الرابعة : قوله : ( بمفازة من العذاب ) أي بمنجاة منه ، من قولهم : فاز فلان إذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله : ( فقد فاز ) [ آل عمران : 185 ] ثم حقق ذلك بقوله : ( ولهم عذاب أليم ) ولا شبهة أن الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم .

ثم قال : ( ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السماوات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب .

التالي السابق


الخدمات العلمية