صفحة جزء
المسألة الثانية : اختلف أصحابنا قال بعضهم : حكم هذه الآية مشروع على الترتيب ، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع ، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - : يعظها بلسانه ، فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها ، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين . وقال آخرون : هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز ، أما عند تحقق النشوز فلا [ ص: 74 ] بأس بالجمع بين الكل . وقال بعض أصحابنا : تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال ، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها أو يضربها .

ثم قال تعالى : ( فإن أطعنكم ) أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب ( فلا تبغوا عليهن سبيلا ) أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقا على سبيل التعنت والإيذاء ( إن الله كان عليا كبيرا ) وعلوه لا بعلو الجهة ، وكبره لا بكبر الجثة ، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات . وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن ، وبيانه من وجوه :

الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان ، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن ، وأكبر درجة منهن .

الثاني : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم . فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء ، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق .

الثالث : أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فإنهن لا يقدرن على ذلك .

الرابع : أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها .

الخامس : أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ، ولم يهتك السرائر ، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض .

التالي السابق


الخدمات العلمية