صفحة جزء
المسألة الثالثة : قال الشافعي -رحمه الله- : القصر رخصة ، فإن شاء المكلف أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر ، وقال أبو حنيفة : القصر واجب ، فإن صلى المسافر أربعا ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي -رحمه الله - على قوله بوجوه :

الأول : أن ظاهر قوله تعالى : " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " مشعر بعدم الوجوب ، فإنه لا يقال : " فليس عليكم جناح " في أداء الصلاة الواجبة ، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه ، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه : بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات ، بل تخفيف الأعمال .

واعلم أنا بينا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره ، فسقط هذا العذر . وذكر صاحب "الكشاف" وجها آخر فيه ، فقال : إنهم لما ألفوا الإتمام ، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر ، فنفى [ ص: 16 ] عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ، فيقال له : هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم : رخصت لكم في هذا القصر ، أما إذا قال : أوجبت عليكم هذا القصر ، وحرمت عليكم الإتمام ، وجعلته مفسدا لصلاتكم ، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلا ، فلا يكون هذا الكلام لائقا به .

الحجة الثانية : ما روي أن عائشة -رضي الله عنها- قالت : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله : بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ، فقال : أحسنت يا عائشة ! وما عاب علي . وكان عثمان يتم ويقصر ، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه .

الحجة الثالثة : أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز ، لا على سبيل التعيين جزما فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث ، منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " فظاهر الأمر للوجوب ، وعن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين .

والجواب : أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعا وجائزا ، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره ؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : قال بعضهم : صلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر .

واعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصرا في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية