1. الرئيسية
  2. التفسير الكبير
  3. سورة المائدة
  4. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
صفحة جزء
المسألة الثامنة والثلاثون : اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الإمامية من الشيعة . وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود الأصفهاني : يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية . وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل .

حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله : ( وأرجلكم ) فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب ، فنقول : أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرءوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذا كسر على الجوار كما في قوله : " جحر ضب خرب " ، وقوله :


كبير أناس في بجاد مزمل

قلنا : هذا باطل من وجوه :

الأول : أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي يتحمل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .

وثانيها : أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : " جحر ضب خرب " ، فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل .

وثالثها : أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا : إنها توجب المسح ، وذلك لأن قوله : ( وامسحوا برءوسكم ) " فرءوسكم " في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرءوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرءوس ، والجر عطفا على الظاهر ، وهذا مذهب مشهور للنحاة .

إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله : ( وأرجلكم ) هو قوله : ( وامسحوا ) ويجوز أن يكون هو قوله : ( فاغسلوا ) لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى ، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله : ( وأرجلكم ) هو قوله : ( وامسحوا ) فثبت أن قراءة ( وأرجلكم ) [ ص: 128 ] بنصب اللام توجب المسح أيضا ، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ، ثم قالوا : ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز .

واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين :

الأول : أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها .

والثاني : أن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين ، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه بوجهين :

الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير فيجب المسح على ظهر القدمين .

والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين ، وحينئذ لا يبقى هذا السؤال .

التالي السابق


الخدمات العلمية