صفحة جزء
المسألة الثانية : قالت الشيعة : هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب ، وتقريره أن نقول : هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب .

بيان المقام الأول : أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب ، كما في قوله : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) [المائدة : 51] وجاء بمعنى المتصرف ، قال عليه الصلاة والسلام : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنقول : ههنا وجهان :

الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين الله مراده ، ولا منافاة بين المعنيين ، فوجب حمله عليهما ، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في [ ص: 24 ] الآية متصرفون في الأمة .

الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر ، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر ; لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين ، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة " إنما " وكلمة " إنما " للحصر ، كقوله : ( إنما الله إله واحد ) [النساء : 171] والولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة ، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف ; لأنه ليس للولي معنى سوى هذين ، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية ، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة ، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة .

أما بيان المقام الثاني : وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن أبي طالب ، وبيانه من وجوه :

الأول : أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : إن ذلك الشخص هو علي ، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص ، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق .

الثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي ، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول : إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ; لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته ، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته ، فبطل هذا القول .

والثالث : أن قوله ( وهم راكعون ) لا يجوز جعله عطفا على ما تقدم ; لأن الصلاة قد تقدمت ، والصلاة مشتملة على الركوع ، فكانت إعادة ذكر الركوع تكرارا ، فوجب جعله حالا أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين ، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي ، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه ، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام .

والجواب : أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معا فغير جائز ، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معا .

أما الوجه الثاني : فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب ، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف ، ثم نجيب عما قالوه فنقول : الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه :

الأول : أن اللائق بما قبل هذه الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى ، أما ما قبل هذه الآية فلأنه تعالى قال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم ; لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة ، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحبابا وأنصارا ، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم ، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال : ( إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون ) الموصوفون ، والظاهر أن الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما قبل ، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة ، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) [المائدة : 57] [ ص: 25 ] فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء ، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة ، فكذلك الولاية في قوله : ( إنما وليكم الله ) يجب أن تكون هي بمعنى النصرة ، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله : ( إنما وليكم الله ) ليس إلا بمعنى الناصر والمحب ، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام ; لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد ، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه .

الحجة الثانية : أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية ; لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول ، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال ، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال ، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف ، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذاليهود والنصارى أولياء ، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين ، فلا بد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد ، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها .

الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله : ( والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنه مجاز لا حقيقة ، والأصل حمل الكلام على الحقيقة .

الحجة الرابعة : أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله : ( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ) إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر ، فلو دلت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين ، وذلك باطل ، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليا هو الإمام بعد الرسول .

الحجة الخامسة : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض ، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنه تركه للتقية ; لأنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير ، وخبر المباهلة ، وجميع فضائله ومناقبه ، ولم يتمسك ألبتة بهذه الآية في إثبات إمامته ، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله .

الحجة السادسة : هب أنها دالة على إمامة علي ، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال ; لأن عليا ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن عليا سيصير إماما بعد ذلك ، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان ، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت ، فإن قالوا : الأمة في هذه الآية على قولين : منهم من قال : إنها لا تدل على إمامة علي ، ومنهم من قال : إنها تدل على إمامته ، وكل من قال بذلك قال : إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل ، فالقول بدلالة الآية على إمامة علي [ ص: 26 ] لا على هذا الوجه قول ثالث ، وهو باطل ; لأنا نجيب عنه فنقول : ومن الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول ، فإن من المحتمل ، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي ، فإن السائل يورد على ذلك الاستدلال هذا السؤال ، فكان ذكر هذا الاحتمال وهذا السؤال مقرونا بذكر هذا الاستدلال .

الحجة السابعة : أن قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) لا شك أنه خطاب مع الأمة ، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله ، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييبا لقول المؤمنين وتعريفا لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار ; وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصرا له ومعينا له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى ، وإذا كان كذلك كان المراد بقوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة ، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة ، فلما أريد به ههنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا .

الحجة الثامنة : أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله : ( يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) فإذا حملنا قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) على معنى المحبة والنصرة كان قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) يفيد فائدة قوله : ( يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ، وقوله : ( يجاهدون في سبيل الله ) يفيد فائدة قوله : ( يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى ، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف .

أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، والولاية بمعنى النصرة عامة ، فجوابه من وجهين :

الأول : لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ولا نسلم أن كلمة ( إنما ) للحصر ، والدليل عليه قوله : ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) [يونس : 24] ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل ، وقال : ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) [محمد : 36] ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها .

الثاني : لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين :

أحدهما : الذين جعلهم موليا عليهم وهم المخاطبون بقوله : ( إنما وليكم الله ) .

والثاني : الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فإذا فسرنا الولاية ههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصارا للقسم الثاني ، ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين ، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بد من التأمل فيه .

وأما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع ، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في [ ص: 27 ] حق الأمة ، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين ، ومنهم من يقول : إنها نزلت في حق أبي بكر .

وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع ، وذلك هو علي بن أبي طالب ، فنقول : هذا أيضا ضعيف من وجوه :

الأول : أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى : ( وآتوا الزكاة ) فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب ، وذلك عند أكثر العلماء معصية ، وأنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام ، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله : ( وآتوا الزكاة ) ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب .

الثاني : هو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه ، ولهذا قال تعالى : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) [آل عمران : 191] ومن كان قلبه مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير ؟ .

الثالث : أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير واللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك .

الرابع : المشهور أنه عليه السلام كان فقيرا ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه ; ولذلك فإنهم يقولون : إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة ( هل أتى ) وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيرا ، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص ، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله : ( ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) عليه .

الوجه الخامس : هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب ، لكنه لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب ، وقد سبق الكلام فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية