صفحة جزء
المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول ، إلا أنهم اختلفوا في المثل ، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن : الصيد ضربان ، منه ما له مثل ، ومنه ما لا مثل له ، فما له مثل يضمن بمثله من النعم ، وما لا مثل له يضمن بالقيمة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : المثل الواجب هو القيمة .

وحجة الشافعي : القرآن والخبر والإجماع والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) والاستدلال به من وجوه أربعة :

الأول : أن جماعة من القراء قرأوا ( فجزاء ) بالتنوين ، ومعناه : فجزاء من النعم مماثل لما قتل ، فمن قال : إنه مثله في القيمة ، فقد خالف النص .

وثانيها : أن قوما آخرين قرءوا ( فجزاء مثل ما قتل ) بالإضافة ، والتقدير : فجزاء ما قتل من النعم ، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم ، فمن لم يوجبه فقد خالف النص .

ثالثها : قراءة ابن مسعود : (فجزاؤه مثل ما قتل من النعم) وذلك صريح فيما قلناه .

ورابعها : أن قوله تعالى : ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ) صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم ، يجب أن يكون هديا بالغ الكعبة .

[ ص: 75 ] فإن قيل : إنه يشتري بتلك القيمة هذا الهدي .

قلنا : النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هديا ، وأنتم تقولون : الواجب هو القيمة ، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هديا يهدى إلى الكعبة ، وإن شاء لم يفعل ، فكان ذلك على خلاف النص ، وأما الخبر : فما روى جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الضبع ، أصيد هو ؟ فقال : نعم ، وفيه كبش إذا أخذه المحرم ، وهذا نص صريح . وأما الإجماع : فهو أن الشافعي رحمه الله قال : تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم ، فحكموا في النعامة ببدنة ، وفي حمار الوحش ببقرة ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الظبي بشاة ، وفي الأرنب بجفرة - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة ، وفي اليربوع بجفرة ; وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبها بالصيد من النعم لا بالقيمة ، ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار ، والظبي هو الغزال الكبير الذكر ، والغزال هو الأنثى ، واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء ، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها ، والذكر جفر ، والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول .

وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ، ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الإيجاب أولى ، حجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة ، فكان المراد بالمثل في قوله : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) هو القيمة في هذه الصورة ، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك ؛ لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد .

والجواب : أن حقيقة المماثلة أمر معلوم ، والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها بأقصى الإمكان ، فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يمكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة .

التالي السابق


الخدمات العلمية