صفحة جزء
القسم الثاني

الكلام في تفسير مجموع هذه السورة ، وفيه فصول

الفصل الأول

في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة

اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة ، وعالم الآخرة عالم الصفا ، فالآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع ، وكالجسم بالنسبة إلى الظل ، فكل ما في الدنيا فلا بد له في الآخرة من أصل ، وإلا كان كالسراب الباطل والخيال العاطل ، وكل ما في الآخرة فلا بد له في الدنيا من مثال ، وإلا لكان كالشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل ، فعالم الروحانيات عالم الأضواء والأنوار والبهجة والسرور واللذة والحبور ، ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال والنقصان ولا بد وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها ، ويكون ما سواه في طاعته وتحت أمره ونهيه ، كما قال : ( ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) [ التكوير : 21 ] وأيضا فلا بد في الدنيا من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها ، ويكون كل ما سواه في هذا العالم تحت طاعته وأمره ، فالمطاع الأول هو المطاع في عالم الروحانيات ، والمطاع الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات ، فذاك مطاع العالم الأعلى ، وهذا مطاع العالم الأسفل . ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات كالظل لعالم الروحانيات وكالأثر وجب أن يكون بين هذين المطاعين ملاقاة ومقارنة ومجانسة ، فالمطاع في عالم الأرواح هو المصدر ، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر ، والمصدر هو الرسول الملكي ، والمظهر هو الرسول البشري ، وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة وفي الدنيا .

وإذا عرفت هذا فنقول : كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في الدعوة إلى الله ، وهذه الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله : ( والمؤمنون كل آمن بالله ) الآية [ البقرة : 285 ] ويندرج في أحكام الرسل قوله : ( لا نفرق بين أحد من رسله ) [ البقرة : 285 ] فهذه الأربعة [ ص: 213 ] متعلقة بمعرفة المبدأ ، وهي معرفة الربوبية ، ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني على أمرين : أحدهما : المبدأ ، والثاني : الكمال . فالمبدأ هو قوله تعالى : ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) [ البقرة : 285 ] لأن هذا المعنى لا بد منه لمن يريد الذهاب إلى الله ، وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه وهو قوله : ( غفرانك ربنا ) [ البقرة : 285 ] وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية ، والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى ، وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة ، ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى المعاد ، وهو المراد من قوله : ( وإليك المصير ) [ البقرة : 285 ] ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ ، والوسط ، والمعاد . أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله والملائكة والكتب والرسل ، وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين " سمعنا وأطعنا " نصيب عالم الأجساد ، " وغفرانك ربنا " نصيب عالم الأرواح . وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد ، وهو قوله : " وإليك المصير " فابتداء الأمر أربعة ، وفي الوسط صار اثنين ، وفي النهاية صار واحدا .

ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع :

فأولها : قوله : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) [ البقرة : 286 ] وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ) [ الأحزاب : 41 ] وقوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) [ الكهف : 24 ] وقوله ( تذكروا فإذا هم مبصرون ) [ الأعراف : 201 ] وقوله : ( واذكر اسم ربك ) [ المزمل : 8 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الرحمن الرحيم .

وثانيها : قوله : ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) [ البقرة : 286 ] ودفع الإصر - والإصر هو الثقل - يوجب الحمد ، وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين .

وثالثها : قوله : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) [ البقرة : 286 ] وذلك إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك هو قوله " الرحمن الرحيم " .

ورابعها : قوله : ( واعف عنا ) [ البقرة : 286 ] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ، وهو قوله مالك يوم الدين .

وخامسها : قوله تعالى : ( واغفر لنا ) [ البقرة : 286 ] لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات ، وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين .

وسادسها : قوله : ( وارحمنا ) [ البقرة : 286 ] لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا اهدنا الصراط المستقيم .

وسابعها : قوله : ( أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) [ البقرة : 286 ] وهو المراد من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين .

فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج ، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر ، فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة ، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في [ ص: 214 ] عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المصدر إلى المظهر ، فلهذا السبب قال عليه السلام : " الصلاة معراج المؤمن " .

التالي السابق


الخدمات العلمية