1. الرئيسية
  2. التفسير الكبير
  3. سورة الأعراف
  4. قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش
صفحة جزء
[ ص: 97 ] ثم قال تعالى : ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر " والشمس والقمر والنجوم مسخرات " بالرفع على معنى الابتداء والباقون بالنصب على معنى وجعل الشمس والقمر ، قال الواحدي : والنصب هو الوجه لقوله تعالى : ( واسجدوا لله الذي خلقهن ) [فصلت : 37] فكما صرح في هذه الآية أنه سخر الشمس والقمر كذلك يجب أن يحمل على أنه خلقها في قوله : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) ( والشمس والقمر والنجوم ) وهذا النصب على الحال أي خلق هذه الأشياء حال كونها موصوفة بهذه الصفات والآثار والأفعال . وحجة ابن عامر قوله تعالى : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) ومن جملة ما في السماء الشمس والقمر ، فلما أخبر أنه تعالى سخرها حسن الإخبار عنها بأنها مسخرة كما أنك إذا قلت ضربت زيدا استقام أن تقول زيد مضروب .

المسألة الثانية : في هذه الآية لطائف :

فالأولى : أن الشمس لها نوعان من الحركة :

أحد النوعين : حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة ، وبسبب هذه الحركة تحصل السنة .

والنوع الثاني : حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم وهذه الحركة تتم في اليوم بليلة .

إذا عرفت هذا فنقول : الليل والنهار لا يحصل بسبب حركة الشمس وإنما يحصل بسبب حركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش ، فلهذا السبب لما ذكر العرش بقوله : ( ثم استوى على العرش ) ربط به قوله : ( يغشي الليل النهار ) تنبيها على أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الأقصى لا حركة الشمس والقمر وهذه دقيقة عجيبة .

والثانية : أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السماوات . قال : ( فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ) [فصلت : 12] فدلت تلك الآية على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الأمر .

ثم قال بعده : ( ألا له الخلق والأمر ) وهو إشارة إلى أن كل ما سوى الله تعالى إما من عالم الخلق أو من عالم الأمر ، أما الذي هو من عالم الخلق ، فالخلق عبارة عن التقدير ، وكل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين ، فكان من عالم الخلق ، وكل ما كان بريئا عن الحجمية والمقدار كان من عالم الأرواح ومن عالم الأمر ، فدل على أنه سبحانه خص كل واحد من أجرام الأفلاك والكواكب التي هي من عالم الخلق بملك من الملائكة ، وهم من عالم الأمر . والأحاديث الصحيحة مطابقة لذلك ، وهي ما روي في الأخبار أن لله ملائكة يحركون الشمس والقمر عند الطلوع وعند الغروب ، وكذا القول في سائر الكواكب . وأيضا قوله سبحانه : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة : 17] إشارة إلى أن الملائكة الذين يقومون بحفظ العرش ثمانية ، ثم إذا دققت النظر علمت أن عالم الخلق في تسخير الله وعالم الأمر في تدبير الله واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله ، فلهذا المعنى قال : ( ألا له الخلق والأمر ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية