صفحة جزء
( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون )

قوله تعالى : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون )

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياما قليلة ، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل البتة أما على قولنا فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله ، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب الدائم ، فلما دل العقل على ذلك احتيج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك ، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك ، وههنا مسألتان :

المسألة الأولى : ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين :

الأول : أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة [ ص: 130 ] فما دونها ، ولا تضاف إلى ما فوقها . فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ) [ البقرة : 183 ] هي أيام الشهر كله ، وهي أزيد من العشرة . ثم قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه ، ومن يقول : عشرة ، يقول : أحمله على الأكثر وله وجه ، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له ، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها ، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام ، قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول : الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوما ، فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام . وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان .

أما الأول : فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة البتة .

وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك .

أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو ، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) [ الشورى : 40 ] فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية ؟ قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة ، فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جدا .

الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين ، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها ، والكلام عليه أيضا كالكلام على السبعة .

الوجه الثالث " : قيل في معنى " معدودة " قليلة ، كقوله تعالى : ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) [ يوسف : 20 ] والله أعلم .

المسألة الثانية ؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " دعي الصلاة أيام أقرائك " ، فمدة الحيض ما يسمى أياما وأقل عدد يسمى أياما ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه ، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم .

المسألة الثالثة : ذكر ههنا : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) وفي آل عمران : ( إلا أياما معدودات ) ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو " أياما " ؟

والجواب : أن الاسم إن كان مذكرا فالأصل في صفة جمعه التاء ، يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة ، وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات . إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : ( في أيام معدودات ) [ البقرة : 203 ] و ( في أيام معلومات ) [ الحج : 28 ] فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : ( أياما معدودة ) وفي آل عمران بما هو الفرع .

التالي السابق


الخدمات العلمية