صفحة جزء
( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد )

قوله تعالى ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير [ ص: 139 ] ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد )

اعلم أنه تعالى لما بين كونه لطيفا بعباده كثير الإحسان إليهم بين أنه لا بد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ) ، قال صاحب "الكشاف" : إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثا على سبيل المجاز ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه :

الأول : أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا ، وذلك يدل على التفضيل ، لأنه وصفه بكونه آخرة ، ثم قدمه في الذكر تنبيها على قوله "نحن الآخرون السابقون" .

الثاني : أنه قال في مريد حرث الآخرة ( نزد له في حرثه ) وقال في مريد حرث الدنيا ( نؤته منها ) ، وكلمة "من" للتبعيض ، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتيه كله ، وقال في سورة بني إسرائيل ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) [الإسراء : 18] وأقول : البرهان العقلي مساعد على البابين ، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات ، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر ، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر ، وذلك هو المراد بقوله ( نزد له في حرثه ) ، وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر - كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر ، وميله إليها أشد ، وإذا كان الميل أبدا في التزايد ، وكان حصول المطلوب باقيا على حالة واحدة كان الحرمان لازما لا محالة .

الثالث : أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة ( نزد له في حرثه ) ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا ، بل بقي الكلام ساكتا عنه نفيا وإثباتا ، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بين أنه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة على التنصيص ، وهذا يدل على التفاوت العظيم ؛ كأنه يقول : الآخرة أصل والدنيا تبع ، فواجد الأصل يكون واجدا للتبع بقدر الحاجة ، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيها على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة .

والرابع : أنه تعالى بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه ، وبين أن طالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه من الدنيا ، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب البتة ، فبين بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبدا في الترقي والتزايد ، وبين بالكلام الثاني أن طالب الدنيا يكون حاله في المقام الأول في النقصان ، وفي المقام الثاني في البطلان التام .

الخامس : أن الآخرة نسيئة ، والدنيا نقد ، والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد؛ لأن الناس يقولون : النقد خير من النسيئة فبين تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا ، فالآخرة وإن كانت نسيئة إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام ، فكانت أفضل وأكمل ، والدنيا وإن كانت نقدا إلا أنها متوجهة إلى النقصان ، ثم إلى البطلان ، فكانت أخس وأرذل ، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا البتة ، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم ؛ كما هو مروي عن ابن عباس .

السادس : الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة ، بل لا بد في البابين من الحرث ، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ، ثم التسقية والتنمية والحصد ، ثم التنقية ، فلما سمى الله كلا القسمين حرثا علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق ، ثم بين تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال ، وأن مصير الدنيا [ ص: 140 ] إلى النقصان ثم الفناء ، فكأنه قيل : إذا كان لا بد في القسمين جميعا من تحمل متاعب الحراثة والتسقية والتنمية والحصد والتنقية ، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء .

المسألة الثانية : في تفسير قوله ( نزد له في حرثه ) قولان :

الأول : المعنى أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه ، وقال مقاتل : ( نزد له في حرثه ) بتضعيف الثواب ، قال تعالى : ( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) [فاطر : 30] وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من أصبح ، وهمه الدنيا - شتت الله تعالى عليه همه ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له ، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها أو لفظ يقرب من أن يكون هذا معناه .

المسألة الثالثة : ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته ، وأجمعوا على أنها لا تصح . والجواب : أنه تعالى قال : ( من كان يريد حرث الآخرة ) والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض ، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى .

المسألة الرابعة : قال أصحابنا : إذا توضأ بغير نية لم يصح ، قالوا : لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة ، لأن الكلام فيما إذا كان غافلا عن ذكر الله وعن الآخرة ، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة ، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة ، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية .

واعلم أن الله تعالى لما بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا - أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة ، فقال : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ، ومعنى الهمزة في " أم " التقرير والتقريع ، و ( شركاؤهم ) شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا ؛ لأنهم لا يعلمون غيرها ، وقيل : ( شركاؤهم ) أوثانهم ، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله ، ولما كان سببا لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة ؛ كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [إبراهيم : 36] ، وقوله ( شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله ، ثم قال : ( ولولا كلمة الفصل ) أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ، أو يقال : ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيامة ( لقضي بينهم ) أي بين الكافرين والمؤمنين ، أو بين المشركين وشركائهم ( وإن الظالمين لهم عذاب أليم ) وقرأ بعضهم : "وأن " بفتح الهمزة في " إن " ؛ عطفا له على " كلمة الفصل " ، يعني : ( ولولا كلمة الفصل ) وأن تقريره تعذيب الظالمين - في الآخرة ( لقضي بينهم ) في الدنيا ، ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب .

فالأول : فهو قوله ( ترى الظالمين مشفقين ) خائفين خوفا شديدا ( مما كسبوا ) من السيئات ( وهو واقع بهم ) يريد أن وباله واقع بهم ، سواء أشفقوا أو لم يشفقوا .

وأما الثاني : فهو أحوال أهل الثواب ، وهو قوله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ) لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها ، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة ، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات ، وهي البقاع الشريفة من الجنة ، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم قال : ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) [ ص: 141 ] وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة ، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة ( ذلك هو الفضل الكبير ) ، وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله ، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى ، قال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ) فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاء على الإيمان والأعمال الصالحات .

التالي السابق


الخدمات العلمية