صفحة جزء
( والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها )

قوله تعالى : ( والنهار إذا جلاها ) معنى التجلية الإظهار والكشف ، والضمير في جلاها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان :

أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه عائد إلى الشمس وذلك لأن النهار عبارة عن نور الشمس . فكلما كان النهار أجلى ظهورا كانت الشمس أجلى ظهورا ; لأن قوة الأثر وكماله تدل على قوة المؤثر ، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها ، كقوله تعالى : ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) [ الأعراف : 187 ] أي لا يخرجها .

الثاني : وهو قول الجمهور أنه عائد إلى الظلمة ، أو إلى الدنيا ، أو إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر ، يقولون : أصبحت باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء .

قوله تعالى : ( والليل إذا يغشاها ) يعني يغشى الليل الشمس فيزيل ضوءها ، وهذه الآية تقوي القول الأول في الآية التي قبلها من وجهين :

الأول : إنه لما جعل الليل يغشى الشمس ويزيل ضوءها حسن أن يقال : النهار يجليها ، على ضد ما ذكر في الليل .

والثاني : أن الضمير في " يغشاها " للشمس بلا خلاف ، فكذا في جلاها يجب أن يكون للشمس حتى يكون الضمير في الفواصل من أول السورة إلى ههنا للشمس ، قال القفال : وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا بالشمس في الحقيقة لكن بحسب أوصاف أربعة :

أولها : الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار ، وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار الحيوان واضطراب الناس للمعاش ، ومنها تلو القمر لها وأخذه الضوء عنها ، ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار ، ومنها وجود خلاف ذلك بمجيء الليل ، ومن تأمل قليلا في عظمة الشمس ثم شاهد بعين عقله فيها أثر المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهي والتركب من الأجزاء انتقل منه إلى عظمة خالقها ، فسبحانه ما أعظم شأنه .

( والسماء وما بناها )

فيه سؤالات :

السؤال الأول : أن الذي ذكره صاحب " الكشاف " من أن ( ما ) ههنا لو كانت مصدرية لكان عطف ( فألهمها ) عليه يوجب فساد النظم حقا ، والذي ذكره القاضي من أنه لو كان هذا قسما بخالق السماء لما كان يجوز تأخيره عن ذكر الشمس ، فهو إشكال جيد ، والذي يخطر ببالي في الجواب عنه : أن أعظم المحسوسات هو الشمس ، فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها ، ثم ذكر ذاته المقدسة بعد ذلك ووصفها بصفات ثلاثة وهي تدبيره سبحانه للسماء والأرض وللمركبات ، ونبه على المركبات بذكر أشرفها وهي النفس ، والغرض من هذا الترتيب هو أن يتوافق العقل والحس على عظمة جرم الشمس ثم يحتج العقل الساذج بالشمس ، بل بجميع السماويات والأرضيات والمركبات على إثبات مبدئ لها ، فحينئذ يحظى العقل ههنا بإدراك جلال الله وعظمته على ما يليق به ، والحس لا ينازعه فيه . فكان ذلك كالطريق إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات إلى يفاع عالم الربوبية وبيداء كبرياء الصمدية ، فسبحان من عظمت حكمته وكملت كلمته .

السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : ( والسماء وما بناها ) ؟

الجواب : أنه سبحانه لما وصف الشمس بالصفات الأربعة الدالة على عظمتها ، أتبعه ببيان ما يدل على حدوثها وحدوث جميع الأجرام السماوية ، فنبه بهذه الآية على تلك الدلالة ، وذلك لأن الشمس والسماء متناهية ، وكل متناه فإنه مختص بمقدار معين ، مع [ ص: 174 ] أنه كان يجوز في العقل وجود ما هو أعظم منه ، وما هو أصغر منه ، فاختصاص الشمس وسائر السماويات بالمقدار المعين لا بد وأن يكون لتقدير مقدر وتدبير مدبر ، وكما أن باني البيت يبنيه بحسب مشيئته ، فكذا مدبر الشمس وسائر السماويات قدرها بحسب مشيئته ، فقوله : ( وما بناها ) كالتنبيه على هذه الدقيقة الدالة على حدوث الشمس وسائر السماويات .

السؤال الثالث : لم قال : ( وما بناها ) ولم يقل : ومن بناها ؟

الجواب من وجهين :

الأول : أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء وذلك الشيء العظيم القادر الذي بناها ، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها .

والثاني : أن " ما " تستعمل في موضع " من " كقوله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) [ النساء : 22 ] والاعتماد على الأول .

السؤال الرابع : لم ذكر في تعريف ذات الله تعالى هذه الأشياء الثلاثة وهي السماء والأرض والنفس ؟ والجواب : لأن الاستدلال على الغائب لا يمكن إلا بالشاهد ، والشاهد ليس إلا العالم الجسماني وهو قسمان : بسيط ومركب ، والبسيط قسمان : العلوية وإليه الإشارة بقوله : ( والسماء ) ، والسفلية وإليه الإشارة بقوله : ( والأرض ) ، والمركب هو أقسام ، وأشرفها ذوات الأنفس وإليه الإشارة بقوله : ( ونفس وما سواها ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية