صفحة جزء
[ ص: 52 ] ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم )

قوله تعالى : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم )

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل :

المسألة الأولى : قوله : ( وإذ يرفع ) حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ، والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة ، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها ، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم .

المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجودا قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها .

المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكا لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكا له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت فوجب أن يكون إسماعيل معطوفا على إبراهيم في ذلك ، ثم إن اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين :

أحدهما : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران .

والثاني : أن يكون أحدهما بانيا للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيئ له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلا صغيرا وروي معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئا من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : ( من البيت ) ثم ابتدءوا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكا [ ص: 53 ] في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : ( تقبل منا ) ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم .

المسألة الرابعة : إنما قال : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) ولم يقل : يرفع قواعد البيت ، لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء .

النوع الأول : في قوله تعالى : ( تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : ( تقبل منا ) فقال المتكلمون : كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من الله تعالى بالقبول توسعا . وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار ، وأيضا فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن كون الفعل واقعا موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) [البقرة : 165] والله أعلم .

المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون ، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجبا على الله تعالى ، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة ، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد باردا ، بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة ، والجمد حال بقائه على صورته في الانجماد والبياض حارا ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلا والله أعلم .

المسألة الثانية : إنما عقب هذا الدعاء بقوله : ( إنك أنت السميع العليم ) كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك . فإن قيل : قوله : ( إنك أنت السميع العليم ) يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإن غيره قد يكون سميعا . قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره .

النوع الثاني : من الدعاء قوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد ، أو الاستسلام والانقياد ، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة : وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما ، فإن الجعل عبارة عن الخلق ، قال الله [ ص: 54 ] تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) [الأنعام : 1] فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى ، فإن قيل : هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين ، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلبا لتحصيل الحاصل وإنه باطل ، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين ، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر ، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد ، بل له معان أخر سوى الخلق .

أحدها : جعل بمعنى صير ، قال الله تعالى : ( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ) [الفرقان : 47] .

وثانيها : جعل بمعنى وهب ، نقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس .

وثالثها : جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) [الزخرف : 19] وقال : ( وجعلوا لله شركاء الجن ) [الأنعام : 100] .

ورابعها : جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : ( وجعلناهم أئمة ) [الأنبياء : 73] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم ، وقال : ( إني جاعلك للناس إماما ) فهو بالأمر .

وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتبا وشاعرا إذا علمته ذلك .

وسادسها : البيان والدلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلا إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك ، إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصا وجعلني فاضلا أديبا إذا وصفه بذلك ، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلما له ، ومثاله : من يؤدب ابنه حتى يصير أديبا فيجوز أن يقال : صيرتك أديبا وجعلتك أديبا ، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصا محتالا ، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقا للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به ، وإنما قلنا : إنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقا لله تعالى لما استحق العبد به مدحا ولا ذما ، ولا ثوابا ولا عقابا ، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد .

والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر ، قلنا : لا نسلم وبيانه من وجوه :

الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله : ( واجعلنا مسلمين لك ) أي اخلق هذا العرض فينا في الزمان المستقبل دائما ، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال .

الثاني : أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله : ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) [الفتح : 4] ، ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) [محمد : 17] وقال إبراهيم : ( ولكن ليطمئن قلبي ) [البقرة : 260] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق ، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال .

الثالث : أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد ، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله : ( مسلمين لك ) فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته ، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما [ ص: 55 ] بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر . قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك ، قلنا : هذا مدفوع من وجوه :

أحدها : أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة ، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة ، ولا يقال : وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه ، قلنا : نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به ، فكان حمله على الأول أولى .

وثانيها : أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب ، فكان ذلك الوصف حاصلا وأي فائدة في طلبه بالدعاء .

وثالثها : أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلما جاز أن يقال جعله مسلما ، أما قوله : يحمل ذلك على فعل الألطاف ، قلنا : هذا أيضا مدفوع من وجوه :

أحدها : أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر .

وثانيها : أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة ، فطلبها يكون طلبا لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز .

وثالثها : أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون ، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفا وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول : متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع ، فإن وجب فهو المطلوب ، وإن امتنع فهو مانع لا مرجح ، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلا وقد فرضناه كذلك هذا خلف ، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال ، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول . قوله : الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم ، قلنا : إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مرارا وأطوارا والله أعلم .

واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الإسلام؟ قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك ، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين ، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه ، الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة ، فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر ، فإذن لا قدرة إلا على الوجود ، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود ، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل ، لأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح ، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل [ ص: 56 ] الله تعالى قطعا للتسلسل ، وعند حصول المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل ، فثبت أن قوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية .

المسألة الثانية : قوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) يفيد الحصر أي نكون مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلما لأحكام الله تعالى وقضائه وقدره ، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه ، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر : ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء : 77] ثم ههنا قولان :

أحدهما : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك .

والثاني : قائمين بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه .

المسألة الثالثة : أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا بقوله : ربنا فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) [غافر : 60] في شرائط الدعاء .

أما قوله تعالى : ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) فالمعنى : واجعل من أولادنا و "من" للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) ومن الناس من قال : أراد به العرب لأنهم من ذريتهما ، و "أمة" قيل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : ( وابعث فيهم رسولا منهم ) وههنا سؤالات :

السؤال الأول : قد بينا أن قوله : ( لا ينال عهدي الظالمين ) كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالما فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالما ، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوما بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى ؟

الجواب : تلك الدلالة ما كانت قاطعة ، والشفيق بسوء الظن مولع .

السؤال الثاني : لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء؟

والجواب : الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى : ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) [التحريم : 6] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات ، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم .

السؤال الثالث : الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه ، وحينئذ يتوجه الإشكال ، فإن في زمان أجداد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد من العرب مسلما ، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام .

والجواب : قال القفال : أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم ، وقد كان في الجاهلية : زيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعامر بن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة ، والثواب والعقاب ، ويوحدون الله تعالى ، ولا يأكلون الميتة ، ولا يعبدون الأوثان .

التالي السابق


الخدمات العلمية