صفحة جزء
الفصل السادس

في المضطر وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) معناه أن من كان مضطرا ولا يكون موصوفا بصفة البغي ، ولا بصفة العدوان البتة فأكل ، فلا إثم عليه ، وقال أبو حنيفة : معناه فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه ، فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل .

ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا ؟ فقال الشافعي رضي الله عنه : لا يترخص ؛ لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية ، وقال أبو حنيفة : بل يترخص ؛ لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية . واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول .

أما الآية فهي أنه سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله : ( حرمت عليكم الميتة والدم ) [ المائدة : 3 ] ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفا بأنه غير باغ ولا عاد ، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة ؛ لأن قولنا : فلان ليس بمتعد نقيض لقولنا : فلان متعد ، ويكفي في صدقه كونه متعديا في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر ، أو في الأكل ، أو في غيرهما ، وإذا كان اسم المتعدي يصدق بكونه متعديا في أمر ما أي أمر كان ، وجب أن يكون قولنا : فلان غير معتد لا يصدق إلا إذا لم يكن متعديا في شيء من الأشياء البتة ، فإذن قولنا : غير باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه . والعاصي بسفره متعد بسفره ، فلا يصدق عليه كونه غير عاد ، وإذا لم يصدق عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله : ( حرمت عليكم الميتة والدم ) أقصى ما في الباب أن يقال : هذا يشكل بالعاصي في سفره ، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان ، لكنا نقول : إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة ، والفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر ، فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية ، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية ، فظهر الفرق ، واعلم أن القاضي وأبا بكر الرازي نقلا عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله : ( غير باغ ولا عاد ) أي باغ على إمام المسلمين ، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية ، ثم قالا : تفسير الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه ، وذلك لأن قوله : ( غير باغ ولا عاد ) شرط ، والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور ، وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل ؛ لأنا بينا أن معنى الآية : فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقا بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو البتة غير مذكور .

واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وذلك لأنا بينا أن قوله : ( غير باغ ولا عاد ) لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور ، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا . ولا نقول : اللفظ يدل على التعيين ، وأما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة ، فكان على خلاف الأصل ، ثم الذي يدل على أنه لا [ ص: 21 ] يجوز صرفه إلى الأكل وجوه :

أحدها : أن قوله : ( غير باغ ولا عاد ) حال من الاضطرار ، فلا بد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء كونه غير باغ ولا عاد ، فلو كان المراد بكونه غير باغ ولا عاد كونه كذلك في الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه ؛ لأن حال الأكل لا يبقي وصف الاضطرار .

وثانيها : أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم ، وما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه ، فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة .

وثالثها : أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان ، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ، والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية ، وكذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها ، فإذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات ، فكان تخصيصه بالأكل غير جائز .

وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره ، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه ، ويستلزم نفي العدوان في السفر ، وحينئذ يتحقق مقصوده .

ورابعها : أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ) [ المائدة : 3 ] وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفا بالبغي والعدوان في أمر من الأمور . واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجوه :

أحدها : قوله تعالى في آية أخرى : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) [ الأنعام : 119 ] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص .

وثانيها : قوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) [ النساء : 29 ] وقال : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [ البقرة : 195 ] والامتناع من الأكل سعي في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة ، فوجب أن يحرم .

وثالثها : روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوما وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع .

ورابعها : أن العاصي بسفره إذا كان نائما فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق ، فلأن يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى .

وخامسها : أن يدفع أسباب الهلاك ، كالفيل ، والجمل الصئول ، والحية ، والعقرب ، بل يجب عليه ، فكذا ههنا .

وسادسها : أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه ، فكذا ههنا ، والجامع دفع الضرر عن النفس .

وسابعها : أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه ، فكذلك يدفع ضرر الهلاك عن نفسه بهذا الأكل وإن كان عاصيا .

وثامنها : أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر ، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار ، فكذا ههنا .

أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة ، والخاص مقدم على العام ، وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة ، وإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه ، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة إعانة على السفر ، فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك محال ، لأن المعصية ممنوع منها ، والإعانة سعي في تحصيلها ، والجمع بينهما متناقض والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية