صفحة جزء
مسألة

" وتسن التسمية ، وأن يدلك بدنه بيديه ، ويفعل كما روت ميمونة قالت : " سترت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاغتسل من الجنابة ، فبدأ فغسل يديه ، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه ، ثم ضرب بيده على الحائط أو الأرض ، ثم توضأ وضوءه للصلاة ، ثم أفاض الماء على بدنه ، ثم تنحى فغسل رجليه " .

أما التسمية فقال أصحابنا : هي كالتسمية في الوضوء على ما مضى . وأما دلك البدن في الغسل ودلك أعضاء الوضوء فيه " فيجب " إذا لم يعلم [ ص: 368 ] وصول الطهور إلى محله بدونه مثل باطن الشعور الكثيفة ، وإن وصل الطهور بدونها فهو مستحب ؛ لأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا توضأ يدلك " . وعن عائشة أن أسماء سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غسل الحيض ، قال : " تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر ، فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلك دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها " قالت أسماء : وكيف أتطهر بها ؟ فقال : " سبحان الله تطهرين بها " فقالت عائشة - رضي الله عنها - : تتبعين بها أثر الدم . وسألته عن غسل الجنابة فقال : " تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ، ثم تفيض عليها الماء " رواه أحمد ومسلم .

ولأن بالتدليك يحصل الإنقاء ويتيقن التعميم الواجب ، فشرع ، كتخليل الأصابع في الوضوء ، ولا يجب الدلك وإمرار اليد في الغسل بخلاف أحد الوجهين في الوضوء ؛ لقوله : في حديث أم سلمة : " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " . وكذلك ذكر " لا سيما " إفاضة الماء على سائر الجسد ، ولم يذكر الدلك ، وإنما ذكره في الشعر لأنه به يحصل وصول الماء إلى البشرة .

وقال جبير بن مطعم : تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله - صلى الله [ ص: 369 ] عليه وسلم فقال : " أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثا ، فأصب على رأسي ، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي " رواه أحمد والبخاري ومسلم . ولو كان الدلك واجبا لذكره ؛ ليتبين الواجب . وأما الحديث الذي ذكره فهو من المتفق عليه عن ميمونة قالت : " وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماء يغتسل به ، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم مضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم غسل رأسه ثلاثا ، ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه " .

وعن عائشة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر ، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حثى على رأسه ثلاث حثيات ، ثم أفاض الماء على سائر جسده ، ثم غسل رجليه " متفق عليه .

ولمسلم : " كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل كفيه ثلاثا " وللبخاري : " يخلل بيده شعره ، حتى إذا رأى أن قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات " .

[ ص: 370 ] وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه " متفق عليه .

وجملة ذلك أن الغسل قسمان : كامل ومجزئ ، فالمجزئ هو ما تقدم ، وأما الكامل فهو اغتسال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يشتمل على إحدى عشرة خصلة :

أولها : النية .

وثانيها : التسمية .

وثالثها : أن يبدأ بغسل يديه ثلاثا كما في الوضوء وأوكد ؛ لأن هنا يرتفع الحدث عنهما بذلك .

ورابعها : أن يغسل فرجه ويدلك يده بعده لمعنيين :

أحدهما : أن يزيل ما به من أذى ، وكذلك إن كان على يديه نجاسة أزالها قبل الاغتسال ؛ لئلا تماع بالماء ، ولئلا يتوقف ارتفاع الحدث على زوالها في المشهور .

والثاني : أنه إذا أخر غسل الفرج ، فإن مس انتقض وضوؤه ، وإن لم يمسه أخل بسنة الدلك ، وربما لا يتيقن وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدلك ، وكذلك لا يستحب له إعادة الوضوء بعد الغسل ، إلا أن يكون قد مس ذكره .

وخامسها : أن يتوضأ ولا يكمل الاغتسال إلا بالوضوء ، سواء نوى رفع الحدثين أو لم ينو ؛ لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما روى سعيد بن منصور في سننه : " أن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن [ ص: 371 ] غسل الجنابة ، فقال : توضأ وضوءك للصلاة ، ثم اغسل رأسك ثلاثا ، ثم أفض على رأسك وسائر جسدك " .

ولأنه غسل يسن فيه تقديم مواضع الوضوء كغسل الميت ، وهذا لأن أعضاء الوضوء أولى بالطهارة من غيرها ، بدليل وجوب تطهيرها في الطهارتين ، فإذا فاتها التخصيص فلا أقل من التقديم ؛ ولذلك كان وضوء الجنب مؤثرا في نومه وأكله وجماعه وجلوسه في المسجد .

وهو مخير بين أن يتوضأ وضوءا كاملا كما في حديث عائشة ، أو يؤخر غسل رجليه ، كما في حديث ميمونة ، وعلى هذا الوجه يكفي إفاضة الماء على رأسه ودلكه من مسحه ؛ لأن ذلك كان في الوضوء ، ولذلك في الغسل الأفضل صفة عائشة في إحدى الروايات ، وإن احتيج إلى غسلهما ثانيا لكونه بمستنقع يقف الماء فيه أو غير ذلك ؛ لأن عائشة أخبرت أنه كان يتوضأ كذلك ، وهذا إخبار عن غالب فعله ، وميمونة أخبرت عن غسل واحد ، ولأن في حديث عمر الأمر بذلك ، ولأنهما من أعضاء الوضوء فأشبها الوجه واليدين ، ولأنه غسل تقدم فيه الوضوء جميعه كغسل الميت . وعنه أن صفة ميمونة أولى ؛ لأن غسالة البدن تنصب إليها فتنديهما وتلوثهما ، فتعين على غسلهما ولا يحتاج إلى إعادته ثانيا ، ويكون أقل في إراقة الماء ، ولذلك بدأ بأعالي البدن قبل أسافله .

[ ص: 372 ] والثالثة : هما سواء لمجيء السنة بهما .

وسادسها : أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بالماء قبل إفاضة الماء في حديث عائشة ؛ لأنه إذا فعل ذلك فإنه ينقي البشرة ويبل الشعر بماء يسير بعد ذلك من غير معالجة .

وسابعها : أن يفيض على رأسه ثلاثا ؛ حثية على شقه الأيمن ، وحثية على شقه الأيسر ، وحثية على الوسط .

وثامنها : أن يفيض الماء على سائر جسده ثلاثا ، هكذا قال أصحابنا قياسا على الرأس وإن لم ينص عليه في الحديث ، وهو محل نظر .

وتاسعها : أن يبدأ بشقه الأيمن ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيامن في طهوره .

وعاشرها : أن يدلك بدنه بيديه كما تقدم .

وحادي عشرها : أن ينتقل من مكانه فيغسل قدميه كما في حديث ميمونة ، وإذا توضأ أولا لم يجب أن يغسل أعضاء الوضوء مرة ثانية في أثناء الغسل ، بل الواجب عليه غسل بقية البدن ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتمضمض ويستنشق إلا في ضمن الوضوء ؛ ولذلك غسل الوجه واليدين لم يذكر أنه فعله إلا في ضمن وضوئه ، وهذا على قولنا : يرتفع الحدثان بالاغتسال ظاهر . وأما على قولنا : لا بد من الوضوء ، فكذلك على معنى ما ذكره أحمد وغيره ؛ لأن المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين مرة في الوضوء ومرة في أثناء تمام الغسل غير واجب قطعا ، وكلام بعض أصحابنا يقتضي إيجاب ذلك على هذه الرواية ، وهو ضعيف ، وإن كان متوجها في القياس ، بل الصواب أنه لا يستحب على الروايتين .

التالي السابق


الخدمات العلمية