صفحة جزء
والمتعة : اسم جامع للعمرة في أشهر الحج ، فمن اعتمر في أشهر الحج قبل حجته أو مع حجته فإنه يسمى متمتعا ، كما تقدم ذكره في هذه الأحاديث وغيرها ؛ لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين ؛ ولهذا وجب الدم عليهما ، فيحمل قول من روى أنه تمتع على تمتع القران ، فإن كل قارن متمتع .

وأما المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يحل من إحرام العمرة حتى أهل بالحج فإن من أصحابنا من يقول : هذا قارن ؛ لأنه جمع بين النسكين بإحلال وإحرام ، لكن طاف للعمرة أولا وسعى ، ثم أحرم بالحج ، وأكثر [ ص: 491 ] أصحابنا يجعلون هذا متمتعا ، وهو المنصوص عن أحمد ، فيجوز أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا بهذا الاعتبار ولو سمي المتمتع قارنا لأنه جمع بين النسكين في أشهر الحج ، لكن المتمتع يطوف أولا ويسعى لعمرته ، والقارن يطوف أولا لعمرته وحجته ، ثم يطوف ويسعى .

والرواية الثانية : . . .

فإن قيل : أما ما ذكرتم من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالإحلال [ ص: 492 ] والمتعة فهذا حق ، لكن هذا هو فسخ الحج إلى العمرة ، وهذا الفسخ كان خاصا لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإذا كان الفسخ خاصا لهم ، والمتعة إنما حصلت بالفسخ ، فتكون تلك المتعة المستحبة في حقهم خاصة لهم ، فلا يتعدى حكمها إلى غيرهم . والدليل على أن الفسخ خاص لهم أن الله أمر في كتابه بإتمام الحج والعمرة بقوله : " وأتموا الحج والعمرة لله " ومن فسخ الحج إلى العمرة لم يتمه ، وهذا معنى ما ذكره عمر - رضي الله عنه - حيث قال : " إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمرنا بإتمام الحج والعمرة " وهذا الخطاب عام ، خرجوا هم منه بالسنة ، فيبقى باقي الناس على العموم .

وأيضا : ما روى عبد العزيز الدراوردي ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني ، عن أبيه قال : " قلت : يا رسول الله [ ص: 493 ] فسخ الحج لنا خاصة ، أم للناس عامة ؟ قال : بل لنا خاصة " رواه الخمسة إلا الترمذي ، وفي رواية : " أو لمن بعدنا ؟ " وهذا نص منه - صلى الله عليه وسلم - .

وأيضا : فلو لم تكن متعة الفسخ خاصة بهم ، بل كان حكمها عاما : لوجب أن يجب ذلك على الناس ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بذلك وغضب إذ لم يطيعوه ، ومعلوم أنه لا يجب الفسخ ، فعلم أن ذلك كان مختصا بهم .

وأيضا : فما روي عن إبراهيم التميمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : " كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة " رواه مسلم والنسائي وابن ماجه .

[ ص: 494 ] وعن سليم بن الأسود " أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة : لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " . رواه أبو داود .

وعن يحيى بن سعيد الأنصاري : " حدثني المرقع الأسدي - وكان رجلا مرضيا - أن أبا ذر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كانت رخصة لنا ليست لأحد بعدنا ، قال يحيى : وحقق ذلك عندنا أن أبا بكر وعمر وعثمان لم ينقضوا حجا لعمرة ، ولم يرخصوا لأحد ، وكانوا هم أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما فعل في حجه ذلك ممن سهل نقضه " رواه الليث عنه .

وقد قال أحمد - في رواية الأثرم - : المرقع شاعر من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر .

[ ص: 495 ] وقد تقدم قول عمر : " إن الله يحل لرسوله ما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله ، كما أمركم الله " وقول عثمان لعلي - لما احتج عليه بفعل المتعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " كنا خائفين " .

وعن عثمان - أيضا - أن سئل عن متعة الحج فقال : " كانت لنا وليست لكم " رواه سعيد .

وأيضا : فإنه قد ثبت نهي عمر ، وعثمان ، ومعاوية ، وابن الزبير ، وغيرهم من الصحابة - النهي عن المتعة وكراهتهم لها ، كما تقدم بعضه .

وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه " نهى عن متعة الحج ومتعة النساء " .

وعن أبي قلابة قال : " قال عمر - رضي الله عنه - : متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهى عنهما وأعاقب عليهما ، متعة النساء ، ومتعة الحج " رواهما سعيد .

ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحج لا يكره بالاتفاق ، فيجب أن يحمل [ ص: 496 ] نهيهم على متعة الفسخ ، والرخصة على المتعة المبتدأة ؛ توفيقا بين أقاويلهم ، ولولا علمهم بأن ذلك خاص للركب الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدموا على تغيير حكم الشريعة ، ولم يطاوعهم المسلمون على ذلك ، ولا يجوز لمسلم أن يظن بهم ذلك .

وإن كانوا قد نهوا عن جميع أنواع المتعة نهي تنزيه ، أو نهي اختيار للأولى . فيعلم أنهم اعتقدوا أن الإفراد أفضل ؛ ولهذا إنما كانت المنازعة في جواز التمتع لا في فضله ، ويجعلونها رخصة للبعيد عن مكة .

وأيضا : فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون التمتع بالعمرة إلى الحج من أفجر الفجور ، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج إلى العمرة ؛ ليبين جواز العمرة في أشهر الحج ، وقد حصل معرفة ذلك وعلم ، فلا حاجة إلى الخروج عن عقد لازم ، أو أنه إذن لهم في الفسخ ؛ لأنه لم يكن يعلم أولا جواز العمرة قبل الحج .

والذي يبين أن الإفراد أفضل من متعتي القران والعمرة المبتدأة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج ، بدليل ما روى . . . القاسم عن عائشة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج " رواه الجماعة إلا البخاري ، وقد تقدم عنها في المتفق عليه [ ص: 497 ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أهل بالحج وأهل به ناس معه ، وأن ناسا أهلوا بعمرة ، وناسا أهلوا بالحج والعمرة " .

وعن ابن عمر قال : " أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج مفردا " ، وفي لفظ : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل بالحج مفردا " رواهما مسلم .

وعن زيد بن أسلم قال : " جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أفرد الحج ، فلما كان العام المقبل أتاه فسأله عنه ، فقال : أليس قد أعلمتك عام أول أنه أفرد الحج ؟ قال : أتانا أنس بن مالك ، فأخبرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن ، فقال ابن عمر : إن أنس بن مالك كان يتولج على النساء وهن منكشفات لا يستترن ؛ لصغره ، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسيل علي لعابها " رواه . . .

[ ص: 498 ] وعن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر . . . ، وتقدم عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بالحج ، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة فصلى الصبح ، وقال لما صلى الصبح : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة " . رواه مسلم .

وعن جابر : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج " رواه ابن ماجه . وفي حديثه المتفق عليه : " أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج " . وجابر من أحسن الناس سياقا لحجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : " لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة " . وإذا ثبت أنه أهل بالحج ، فيجب أن تحمل رواية من روى [ ص: 499 ] أنه تمتع : على أنه أمر به أصحابه لما أمرهم بالفسخ وهو لم يفسخ ، وما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أفضل مما فعله غيره ، لا سيما فيما لا يتكرر منه ؛ فما كان الله ليؤثر نبيه إلا بأفضل السبل والشرائع ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها متعة " إنما قال ذلك : لما رآهم قد كرهوا المتعة ، فأحب موافقتهم ، وإن كان ما معه أفضل ، وقد يؤثر المفضول إذا كان فيه اتفاق القلوب كما قال : " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة . . . " . الحديث . فترك ما كان يحبه تسكينا للقلوب ، وقد كان يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ، فعلم ، ويبين ذلك ما روى . . .

[ ص: 500 ] ويقرر ذلك أن الخلفاء الراشدين بعده أفردوا الحج .

وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون ؛ فروى أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن : أنه سأل عروة بن الزبير فقال : " قد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ، ثم طاف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، [ ثم حج أبو بكر ، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم عمر مثل ذلك ، ثم حج عثمان ، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم معاوية وعبد الله بن عمر ، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام ، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ، ثم لم تكن عمرة ] ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ، ثم لم ينقضها عمرة ، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت ، ثم لا يحلون ، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت يطوفان به ، ثم لا يحلان ، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها ، والزبير وفلان وفلان بعمرة ، فلما مسحوا الركن حلوا " . رواه البخاري .

وأيضا : فإن المتعة تفتقر إلى دم ، فإن كان دم جبران فالنسك التام الذي [ ص: 501 ] لا يفتقر إلى جبر أفضل مما يجبر بدليل : حجتين ، أو عمرتين ، قد جبر إحداهما بدم ، وتم الآخر بنفسه . وإن كان دم نسك : فمعلوم أنه إنما وجب لما سقط عن المتمتع من أحد السفرين وهو نسك ، وإذا دار الأمر بين نسك الفعل ونسك الذبح ، كان نسك الفعل أفضل ، فإن فيه عبادة بدنية ومالية ؛ ولهذا عامة الدماء لا تشرع إلا عند عوز الأعمال .

وأيضا : فإن المفرد يأتي بالإحرام تاما كاملا من حين يهل من الميقات ثم يأتي بالعمرة كاملة ، فيفعل كل ما يفعله المتمتع وزيادة ، ويستوعب الزمان بالإحرام .

وأيضا : فإن المتعة في الأصل رخصة ، والعزائم أفضل من الرخص .

التالي السابق


الخدمات العلمية