صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويحرم عليها قراءة القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن } ) .


( الشرح ) هذا الحديث رواه الترمذي والبيهقي من رواية ابن عمر ، رضي الله عنهما وضعفه الترمذي والبيهقي ، وروي لا يقرأ بكسر الهمزة على النهي وبضمها على الخبر الذي يراد به النهي ، وقد سبق بيانه في آخر باب ما يوجب الغسل ، وهذا الذي ذكره من تحريم قراءة القرآن على الحائض هو الصحيح المشهور ، وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين وحكى الخراسانيون قولا قديما للشافعي : أنه يجوز لها قراءة القرآن . وأصل هذا القول : أن أبا ثور رحمه الله قال : قال أبو عبد الله : يجوز للحائض قراءة القرآن . فاختلفوا في أبي عبد الله ، فقال بعض الأصحاب : أراد به مالكا ، وليس للشافعي قول بالجواز ، واختاره إمام الحرمين والغزالي في البسيط . وقال جمهور الخراسانيين : أراد به الشافعي وجعلوه قولا قديما . قال الشيخ أبو محمد : وجدت أبا ثور جمعهما في موضع فقال : قال أبو عبد الله ومالك : واحتج من أثبت قولا بالجواز اختلفوا في علته على وجهين أحدهما : أنها تخاف النسيان لطول الزمان بخلاف الجنب . والثاني : أنها قد تكون معلمة فيؤدي إلى انقطاع حرفتها ; فإن قلنا بالأول جاز لها قراءة ما شاءت إذ ليس لما يخاف نسيانه ضابط ، فعلى هذا هي كالطاهر في القراءة . وإن قلنا : بالثاني لم يحل إلا ما يتعلق بحاجة التعليم في زمان الحيض ، هكذا ذكر الوجهين وتفريعهما إمام الحرمين وآخرون .

هذا حكم قراءتها باللسان ; فأما إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان ، والنظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب فجائز بلا خلاف ، وأجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء ، وقد تقدم إيضاح هذا مع جمل من الفروع المتعلقة به في باب ما يوجب الغسل ، والله أعلم . [ ص: 388 ]

( فرع ) في مذاهب العلماء في قراءة الحائض القرآن . قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور : تحريمها وهو مروي عن عمر وعلي وجابر رضي الله عنهم ، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء وأبو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وإسحاق وأبو ثور . وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد روايتان إحداهما : التحريم والثانية : الجواز ، وبه قال داود . واحتج لمن جوز بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض ; ولأن زمنه يطول فيخاف نسيانها . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر المذكور ، ولكنه ضعيف وبالقياس على الجنب ، فإن من خالف فيها وافق على الجنب إلا داود .

والمختار عند الأصوليين أن داود لا يعتد به في الإجماع والخلاف ، وفعل عائشة رضي الله عنها لا حجة فيه على تقدير صحته ; لأن غيرها من الصحابة خالفها ، وإذا اختلفت الصحابة رضي الله عنهم رجعنا إلى القياس . وأما خوف النسيان فنادر ، فإن مدة الحيض غالبا ستة أيام أو سبعة ، ولا ينسى غالبا في هذا القدر ; ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية