صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن ولدت توأمين بينهما زمان ففيه ثلاثة أوجه : ( أحدها ) يعتبر النفاس من الولد الأول لأنه دم يعقب الولادة فاعتبرت المدة منه كما لو كان وحده ، ( والثاني ) يعتبر من الثاني لأنه ما دام معها حمل فالدم ليس بنفاس ، كالدم الذي تراه قبل الولادة ، ( والثالث ) يعتبر ابتداء المدة من الأول ثم تستأنف المدة من الثاني ، لأن كل واحد منهما سبب للمدة ، فإذا وجدا اعتبر الابتداء من كل واحد منهما ، كما لو وطىء امرأة بشبهة فدخلت في العدة ثم وطئها فإنها تستأنف العدة ) .


[ ص: 543 ] الشرح ) يقال : زمان وزمن لغتان ; وقوله : ولدت توأمين ، وهو بفتح التاء وإسكان الواو وبعدها همزة مفتوحة ، ومعناه ولدان هما حمل واحد ، وشرط كونهما توأمين أن يكون بينهما دون ستة أشهر ، فإن كانت ستة أشهر فهما حملان ونفاسان بلا خلاف ، وسواء كان بينهما شهر أو شهران أو أكثر ما لم يبلغ ستة أشهر فهما توأمان وهذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها المصنف مشهورة لمتقدمي أصحابنا ، وحكى ابن القاص في التلخيص أن بعض أصحابنا حكاها أقوالا ، والمشهور أنها أوجه أصحها عند الشيخ أبي حامد وأصحابنا العراقيين والبغوي والروياني وصاحب العدة وغيرهم من الخراسانيين أن النفاس معتبر من الولد ، ( الثاني ) وهو مذهب محمد وزفر ، ورواية عن أحمد وداود وصحح ابن القاص وإمام الحرمين والغزالي كونه من الأول ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ، وأصح الروايتين عن أحمد ورواية عن داود ، وتوجيه الجميع مذكور في الكتاب . فإن قلنا : يعتبر من الثاني ففي حكم الدم الذي بينهما ثلاثة طرق : ( أصحها ) - وبه قطع القاضي حسين - فيه القولان في دم الحامل ، أصحهما أنه حيض والثاني : دم فساد ، ( والطريق الثاني ) القطع بأنه دم فساد كالذي تراه في مبادئ خروج الولد . وبها قطع الشيخ أبو حامد ، ( والثالث ) القطع بأنه حيض ; لأنه بخروج الأول انفتح باب الرحم ، فخرج الحيض بخلاف ما قبله فإنه منسد . وقال الرافعي : قال الأكثرون إن قلنا : دم الحامل حيض ، فهذا أولى وإلا فقولان وأما إذا قلنا : بالوجه الثالث : إن المدة تعتبر من الولد الأول ثم تستأنف فمعناه أنهما نفاسان يعتبر كل واحد منهما على حدته ، ولا يبالى بزيادة مجموعهما على ستين ، حتى لو رأت بعد الأول ستين يوما دما وبعد الثاني ستين كانا نفاسين كاملين قال إمام الحرمين : حتى لو ولدت أولادا في بطن ورأت على أثر كل واحد ستين فالجميع نفاس ولكل واحد حكم نفاس مستقل لا يتعلق حكم بعضها ببعض .

وأما إذا قلنا : إن الاعتبار بالأول فمعناه أنهما نفاس واحد ابتداؤه من خروج الولد الأول فإن زاد مجموعهما على ستين يوما فهي مستحاضة ، وسيأتي حكمها إن شاء الله تعالى وإن وضعت الثاني بعد مضي ستين يوما من حين وضعت الأول قال جماعة : [ ص: 544 ] كان ما رأته بعد الثاني دم فساد وليس بنفاس . وقال إمام الحرمين : قال الصيدلاني : اتفق أئمتنا في هذه الصورة أن الولد الثاني ينقطع عن الأول وتستأنف نفاسا ، فإن الذي تقدمه نفاس كامل ويستحيل أن تلد الثاني وترى الدم عقيبه ولا يكون نفاسا .

قال الإمام : وسمعت شيخي يقول : الدم بعد الثاني دم فساد في هذه الصورة ; وهذا ولد تقدمه النفاس . قال الإمام : ويلزم على قياس هذا أن يقال : إذا ولدت ورأت ستين يوما دما ثم تمادى اجتنان الولد الثاني أشهرا ثم ولدته ورأت دما أنه دم فساد ، وهذا بعيد جدا ، وبهذا يتبين أن كل ولد يستعقب نفاسا . هذا آخر كلام الإمام .

( فرع ) إذا أسقطت عضوا من الجنين وبقي الباقي مجتنا ورأت بعد العضو دما قال المتولي : هل يكون نفاسا ؟ فيه الوجهان في الدم بين التوأمين ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية