صفحة جزء
. قال المصنف رحمه الله تعالى ( تجب الصلاة في أول الوقت ; لأن الأمر تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه ) .


( الشرح ) مذهبنا أن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا ، ويستقر الوجوب بإمكان فعلها ، وبه قال مالك وأحمد وداود وأكثر العلماء نقله الماوردي عن أكثر الفقهاء ، وعن أبي حنيفة روايات ( إحداها ) كمذهبنا ، [ ص: 50 ] وهي غريبة . ( والثانية ) وهي رواية زفر عنه : يجب إذا بقي من الوقت ما يسع صلاة الوقت ( والثالثة ) وهي المشهورة عنه وحكاها عنه جمهور أصحابنا أنها تجب بآخر الوقت إذا بقي منه قدر تكبيرة ، فلو صلى في أول الوقت قال أكثر أصحاب أبي حنيفة تقع صلاته موقوفة ، فإن بقي إلى آخر الوقت مكلفا تبينا وقوعها فرضا وإلا كانت نفلا ، وقال الكرخي منهم تقع نفلا ، فإن بقي إلى آخر الوقت مكلفا منع ذلك النفل وجوب الفرض عليه . واحتج لأبي حنيفة في كونها لا تجب بأول الوقت ; لأنها لو وجبت لم يجز تأخيرها كصوم رمضان ، ولأن وقت الصلاة كحول الزكاة فإنه يجوز فعلها في أوله وآخره كالصلاة ، ثم الزكاة تجب بآخره فكذا الصلاة ، ولأن من دخل وقت الصلاة وهو حاضر ومضى ما يمكن فيه الصلاة ثم سافر فله قصر هذه الصلاة ، فلو وجبت بأول الوقت لم يجز قصرها ، كما لو سافر بعد الوقت ، ولأنه مخير بين فعلها في أول الوقت وتركها ، فإذا فعلها فيه كانت نفلا .

واحتج أصحابنا بقوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } والدلوك الزوال كما سبق بيانه في وقت الظهر ، وهذا أمر وهو يقتضي الوجوب ، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها ؟ قال : فما تأمرني ؟ قال : صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك ، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل } رواه مسلم ومعناه يؤخرون الصلاة عن أول وقتها ، فهذا هو المنقول عن أولئك الأمراء ، وهو التأخر عن أول الوقت لا عن الوقت كله ومعنى ( صل الصلاة لوقتها ) أي لأول وقتها ، ولأنها عبادة مقصودة لا لغيرها تجب في البدن لا تعلق لها بالمال ، تجوز في عموم الأوقات ، فكان كل وقت لجوازها وقتا لوجوبها كالصوم . قال القاضي أبو الطيب احترزنا بقولنا : مقصودة لا لغيرها عن الوضوء ، وبقولنا تجب في البدن عن الزكاة ، وبقولنا : لا تعلق بالمال عن الحج ، وبقولنا : في عموم الأوقات عن صلاة الجمع ، فإنه تجوز صلاة العصر في وقت الظهر تبعا ، وإن كانت الآن غير [ ص: 51 ] واجبة ، لكنها لا تجوز في هذا الوقت في عموم الأوقات ، وإنما تجوز في سفر أو مطر أو في نسك الحج . والجواب عن قولهم : لو وجبت بأول الوقت لم يجز تأخيرها كصوم رمضان أن الواجب ضربان : موسع ومضيق ، فالموسع يتبع فيه التوسع وله أن يفعله في كل وقت من ذلك الزمن المحدود للتوسع ، ومن هذا الضرب الصلاة ، وأما المضيق فتجب المبادرة به ، ومن هذا صوم رمضان في حق المقيم .

والجواب عن قياسهم على حول الزكاة أن تعجيل الزكاة جوز رخصة للحاجة وإلا فقياس العبادات ألا تقدم . وجواب آخر ، وهو أن الزكاة لا تجب إلا بعد انقضاء الحول بالاتفاق ، واتفقنا على أن الصلاة تجب في الوقت ، لكن قلنا نحن : تجب بأوله ، وهم : بآخره ، فلا يصح إلحاقها بها ، والجواب عن مسألة المسافر أن لنا فيها خلافا ، ففي وجه قال المزني وابن سريج : لا يجوز القصر ، وعلى الصحيح المنصوص وقول جمهور أصحابنا يجوز القصر ، فعلى هذا إنما جاز القصر ; لأنه صفة للصلاة والاعتبار في صفتها بحال فعلها لا بحال وجوبها ، ولهذا لو فاته صلاة في حال قدرته على القيام أو الماء ثم عجز عنهما صلاها قاعدا بالتيمم وأجزأته ، ولو فاتته وهو عاجز عنهما فقضاها وهو قادر لزمه القيام والوضوء . والجواب عن قياسهم على النوافل أنه يجوز تركها مطلقا ، والمكتوبة لا يجوز تركها مطلقا بالإجماع ، ولأنه ينتقض بمن نذر أن يصلي ركعتين في يوم كذا فله أن يصليهما في أي وقت منه شاء ، فلو صلاهما في أوله وقعتا فرضا . قال إمام الحرمين في الأساليب : " الوجه أن نقول لهم : أتسلمون الواجب الموسع أم تنكرونه ؟ فإن أنكروه أقمنا عليه قواطع الأدلة ، والقول الوجيز فيه أن المعني بالواجب الموسع أن يقول الشارع : قد أوجبت عليك تحصيل هذا الفعل ، وضربت لتحصيلك إياه هذا الأمد ، فمتى فعلته فيه في أوله أو آخره فقد امتثلت ما أمرتك به فهذا غير منكر عقلا ، وله نظائر ثابتة بالاتفاق كالكفارات وقضاء الصلوات المنسيات والصوم المتروك بعذر ، وإن اعترفوا بالواجب الموسع قلنا لهم : المكلف مأمور بتحصيل الصلاة في وقت موسع ، ومتى أوقعها فيه سقط عنه الفرض ، وعبادات البدن لا تصح قبل [ ص: 52 ] وجوبها . فإن قالوا : لو وجبت لعصى بتأخيرها عن أول الوقت . قلنا هذه صفة للواجب المضيق ، وقد بينا أن هذا واجب موسع كالكفارة والله أعلم " .

( فرع ) إذا دخل وقت الصلاة وأراد تأخيرها إلى أثناء الوقت أو آخره هل يلزمه العزم على فعلها ؟ به وجهان مشهوران لأصحابنا في كتب الأصول ، وممن ذكرهما المصنف في اللمع ، وممن ذكرهما في كتب المذهب صاحب الحاوي ، ( أحدهما ) : لا يلزمه العزم ( والثاني ) : يلزمه ، فإن أخرها بلا عزم وصلاها في الوقت أثم وكانت أداء ، والوجهان جاريان في كل واجب موسع . وجزم الغزالي في المستصفى بوجوب العزم وهو الأصح ، قال : فإن قيل : قوله : صل في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم فإيجابه زيادة على مقتضى الصيغة ، ولأنه لو غفل عن العزم ومات في وسط الوقت لم يكن عاصيا ، قلنا : قولكم : لو غفل عن العزم لا يكون عاصيا صحيح ، وسببه أن الغافل لا يكلف ، أما إذا لم يغفل عن الأمر فلا يترك العزم إلا بضده ، وهو العزم على الترك مطلقا ، وهذا حرام وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب ، فهذا الدليل على وجوبه وإن لم يدل بمجرد الصيغة من حيث وضع اللسان ، لكن دليل العقل أقوى من دلالة الصيغة ، والله أعلم .

( فرع ) إذا أخر الصلاة وقلنا : لا يجب العزم أو أوجبناه وعزم ثم مات في وسط الوقت فجأة فهل يموت عاصيا ؟ فيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين الصحيح لا يموت عاصيا ; لأنه مأذون له في التأخير . قال الغزالي في المستصفى : ومن قال : يموت عاصيا فقد خالف إجماع السلف ، فإنا نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأة بعد مضي قدر أربع ركعات من الزوال ولا ينسبونه إلى تقصير لا سيما إذا اشتغل بالوضوء ونهض إلى المسجد فمات في الطريق ، بل محال أن يعصي وقد جاز له التأخير ، ومتى فعل ما يجوز له كيف يمكن تعصيته ؟ . فإن قيل : جاز التأخير بشرط سلامة العاقبة ، قلنا : محال ; لأن العاقبة مستورة عنه ، فإذا سألنا وقال : العاقبة مستورة عني وعلي صوم يوم ، وأريد تأخيره إلى الغد ، فهل لي تأخيره مع [ ص: 53 ] جهل العاقبة ؟ أم أعصي بالتأخير ؟

فإن قلنا : لا تعصي قال : فلم آثم بالموت الذي ليس إلي ؟ وإن قلنا : يعصي ، خالفنا الإجماع في الواجب الموسع . وإن قلنا : إن كان في علم الله أنك تموت قبل الغد عصيت ، وإن كان في علمه أنك تحيا فلك التأخير قال : فما يدريني ما في علم الله تعالى فما قولكم في حق الجاهل فلا بد من الجزم بتحليل أو تحريم فإن قيل إذا جوزتم تأخيره أبدا ولا يعصي إذا مات فلا معنى لوجوبه ، قلنا : تحقق الوجوب بأنه لم يجز التأخير إلا بشرط العزم ، ولا يجوز العزم على التأخير إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها ، كتأخير الصلاة من ساعة إلى ساعة وتأخير الصوم من يوم إلى يوم مع العزم على التفرغ له في كل وقت ، وتأخير الحج من سنة إلى سنة فلو عزم المريض المشرف على الهلاك على التأخير شهرا ، أو الشيخ الضعيف على التأخر سنين وغالب ظنه أنه لا يبقى إلى تلك المدة عصى بهذا التأخير وإن لم يمت ووفق للعمل ; لأنه مؤاخذ بظنه كالمعزر إذا ضرب ضربا يهلك ، أو قطع سلعته ، وغالب ظنه الهلاك بها يأثم وإن سلم ، ولهذا قال أبو حنيفة لا يجوز تأخير الحج من سنة إلى سنة ، لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن . ورآه الشافعي غالبا على الظن في الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض ، ثم المعزر إذا فعل ما يغلب على الظن السلامة فهلك منه ضمن ; لأنه أخطأ في ظنه ، والمخطئ ضامن غير آثم . هذا آخر كلام الغزالي رحمه الله ، ولنا فيمن أخر الحج حتى مات ثلاثة أوجه . أصحها : يموت عاصيا الشيخ والشاب الصحيح ( والثاني ) لا يموت عاصيا ( والثالث ) يعصي الشيخ دون الشاب ، وهو الذي اختاره الغزالي هنا كما ذكرناه عنه ، ولكن الأصح عند الأصحاب العصيان مطلقا . وسنبسط المسألة بفروعها وما يترتب على العصيان من الأحكام في كتاب الحج حيث ذكرها المصنف إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية