صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأوكد الصلوات في المحافظة عليها الصلاة الوسطى ; لأن الله تعالى خصها بالذكر فقال تعالى { والصلاة الوسطى } [ والصلاة الوسطى هي الصبح والدليل عليه أن الله تعالى قال { وقوموا لله قانتين } ] فقرنها بالقنوت ولا قنوت إلا في الصبح ، ولأن الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالمحافظة [ عليها ] حتى لا يتغافل عنها بالنوم ، ولهذا خصت بالترتيب [ فدل على ما قلناه ] )


( الشرح ) اتفق العلماء على أن الصلاة الوسطى آكد الصلوات الخمس ، واختلفوا فيها ، فقال الشافعي هي الصبح ، نص عليه في الأم وغيره ، وهو مذهب مالك ونقله الواحدي عن عمر ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس رحمهم الله وقال طائفة : هي العصر ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر ونقله الواحدي عن علي وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهم والنخعي [ ص: 64 ] والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل ونقله ابن المنذر عن أبي أيوب الأنصاري وأبي سعيد الخدري وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعبيدة السلماني رحمه الله ، ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم وقالت طائفة : هي الظهر ، وهو رواية عن أبي حنيفة ونقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة ونقله ابن المنذر عن عبد الله بن شداد ، وقال قبيصة بن ذؤيب : هي المغرب ، قال الواحدي : وقال بعضهم : هي العشاء الآخرة وبعضهم : إنها إحدى الصلوات الخمس مبهمة ، ونقل القاضي عياض عن بعضهم : أنها الجمعة ، وعن بعضهم أن الوسطى جميع الصلوات الخمس .

فهذه مذاهب العلماء فيها ، والصحيح منها مذهبان العصر والصبح ، والذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر ، وهو المختار . قال صاحب الحاوي : نص الشافعي رحمه الله أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر ، ومذهبه اتباع الحديث ، فصار مذهبه أنها العصر ، قال : ولا يكون في المسألة قولان كما وهم بعض أصحابنا . هذا كلام صاحب الحاوي . واحتج القائلون أنها العصر بحديث علي رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا } رواه مسلم بهذا اللفظ والبخاري بمعناه . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف وأجابوا عن الحديث بأن العصر تسمى وسطى ولكن لا نسلم أنها المرادة في القرآن ، وهذا الجواب ضعيف ، واحتجاج أصحابنا بقوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } مما ينكره المخالفون ، ويقولون لا نسلم إثبات القنوت في الصبح ، وإن سلمناه لا نسلم أن المراد بالقنوت هذا القنوت المعروف عندكم ، بل القنوت الطاعة والعبادة ، كذا قال أهل اللغة : إن هذا أشهر معانيه ، والجواب عن هذا الإنكار أن القنوت في اللغة يطلق على طول القيام ، وعلى الدعاء ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أفضل الصلاة طول القنوت } وقال أبو إسحاق [ ص: 65 ] الزجاج : المشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت العبادة والدعاء لله تعالى في حال القيام ، قال الواحدي : فتظهر الدلالة للشافعي أن الوسطى الصبح لأنه لا فرض يدعى فيه قائما غيرها ، والله أعلم . ومما استدل به البيهقي على أنها الصبح وليست العصر حديث { عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمن يكتب لها مصحفا : اكتب { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه مسلم ، قال فعطف العصر على الوسطى يدل على أنها غيرها .

التالي السابق


الخدمات العلمية