صفحة جزء
باب الأذان


قال أهل اللغة : أصل الأذان الإعلام والأذان للصلاة معروف يقال فيه الأذان والأذين والتأذين ، قال الجوهري في الغريبين قال : وقال [ ص: 81 ] شيخي الأذين المؤذن المعلم بأوقات الصلاة فعيل بمعنى مفعل . قال الأزهري : يقال : أذن المؤذن تأذينا وأذانا ، أي : أعلم الناس بوقت الصلاة فوضع الاسم موضع المصدر . قال : وأصله من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة .

قال القاضي عياض رحمه الله : اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان مشتمل على نوعه من العقليات والسمعيات ، فأوله إثبات الذات وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها ، وذلك بقوله " الله أكبر " وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه ، ثم صرح بإثبات الوحدانية ونفى ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ، ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا صلى الله عليه وسلم وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية ، وموضعها بعد التوحيد ; لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع وتلك المقدمات من باب الواجبات ، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوة ; لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل ، ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء ، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها ، وهو متضمن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان ، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه ، وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه . هذا آخر كلام القاضي وهو من النفائس الجليلة وبالله التوفيق .

( فرع ) الأصل في الأذان ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال { كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات ليس ينادى بها فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 82 ] يا بلال قم فناد بالصلاة } رواه البخاري ومسلم .

هذا النداء دعاء إلى الصلاة غير الأذان كان قبل شرع الأذان ، وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه قال : { لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ فقلت ندعو به إلى الصلاة قال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ فقلت : بلى . فقال تقول : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . ثم استأخر عني غير بعيد ، ثم قال : ثم تقول إذا أقمت الصلاة : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال : إنها رؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به ، فإنه أندى صوتا منك ، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه فيؤذن به ، فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد } رواه أبو داود بإسناد صحيح : وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داود ، وقال : حسن صحيح ، وقال في آخره : " فلله الحمد وذلك أثبت " .

التالي السابق


الخدمات العلمية