صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان معه ثوبان طاهر ونجس واشتبها عليه تحرى وصلى في الطاهر على الأغلب عنده ; لأنه شرط من شروط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاجتهاد فجاز التحري فيه كالقبلة ، فإن اجتهد فلم يؤده الاجتهاد إلى طهارة أحدهما صلى عريانا وأعاد ; لأنه صلى ومعه ثوب طاهر بيقين ، وإن أداه الاجتهاد إلى طهارة أحدهما ونجاسة الآخر فغسل النجس عنده جاز أن يصلي في كل واحد منهما ، فإن لبسهما معا وصلى فيهما ففيه وجهان .

قال أبو إسحاق تلزمه الإعادة ; لأنهما صارا كالثوب الواحد وقد تيقن حصول النجاسة وشك في زوالها ; لأنه يحتمل أن يكون الذي غسله هو الطاهر فلم تصح صلاته ، كالثوب الطاهر الواحد إذا أصابته نجاسة وخفي عليه موضعها فتحرى وغسل موضع النجاسة بالتحري وصلى فيه . وقال أبو العباس لا إعادة عليه ; لأنه صلى في ثوب طاهر بيقين وثوب طاهر في الظاهر ، فهو كما لو صلى في ثوب اشتراه لا يعلم وثوب غسله ، فإن كانت النجاسة في أحد الكمين واشتبه فوجهان ، قال أبو إسحاق لا يتحرى [ ص: 152 ] لأنه ثوب واحد . وقال أبو العباس يتحرى ; لأنهما عينان متميزتان هما كالثوبين ، فإن فصل أحد الكمين جاز التحري فيه بلا خلاف ) .


( الشرح ) فيه مسائل ( إحداها ) إذا اشتبه ثوب نجس لزمه التحري فيهما ويصلي في الذي يؤدي اجتهاده إلى طهارته ، وهذا مذهبنا ، وفيه خلاف للسلف سبق بيانه بأدلته في باب التحري في الماء ، وسواء كان عدد الطاهر أكثر أو أقل ، حتى لو اشتبه عشرة ثياب أحدها طاهر والباقي نجس اجتهد ، ولو كان معه ثوبان طاهر ونجس واشتبها ومعه ثالث طاهر بيقين أو معه ما يمكن به غسل ثوب هل له الاجتهاد ؟ فيه الوجهان السابقان في مثله في الأواني أصحهما الجواز ووجه ثالث حكاه المتولي يجوز الاجتهاد إذا كان معه ماء يغسل به ، ولا يجوز إذا كان معه ثالث ; لأن عليه ضررا في إتلاف الماء بخلاف الثوب ، والأصح الجواز مطلقا . وقول المصنف ; لأنه شرط من شروط الصلاة إلى آخره ، فيه احترازات سبق بيانها في باب الشك في نجاسة الماء ، وقوله : شرط هو الصواب بخلاف قوله هناك ; لأنه سبب ، وقد نبهنا على هذا هناك ، وقاس على القبلة ; لأنه مجمع على الاجتهاد فيها مع أن جهات الخطأ فيها أكثر من جهة الصواب .

( الثانية ) إذا اجتهد فتحير ولم يظهر له بالاجتهاد شيء لزمه أن يصلي عريانا لحرمة الوقت ، ويلزمه الإعادة ; لأنه صلى عريانا ومعه ثوب طاهر . وعذره نادر غير متصل ، هذا هو الصحيح المشهور ، وفيه قول أنه يجب أن يصلي في أحدهما وهو القول الضعيف الذي أشار إليه في البويطي ، كما سبق أنه إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه وأعاد لئلا يكشف عورته ، وفيه وجه غريب حكاه صاحبا الحاوي والبيان أنه يصلي تلك الصلاة في كل ثوب مرة ، ولا إعادة حينئذ ، وهذا ليس بشيء ; لأنه أمر بالصلاة بنجاسة بيقين والمذهب أنه يصلي عريانا ويعيد . هذا إذا لم يكن معه ماء يغسل به أحدهما ، فإن كان وجب عليه غسل أحدهما ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وحكى المتولي وجها أنه لا يلزمه الغسل ، ; لأن الثوب الذي يريد غسله لا يتيقن نجاسته ولا يمكن إيجاب غسل ما لا يعلم نجاسته وهذا خيال عجيب وخطأ ظاهر ، وإنما أذكر مثله لأبين بطلانه ، وقد قال صاحب الشامل [ ص: 153 ] في جواب هذا ، إنما يجب غسل النجس ; لأنه لا يمكنه الصلاة إلا بغسله ، وهذا المعنى موجود هنا .

( الثالثة ) إذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما فغسل الآخر فله أن يصلي في كل واحد على الانفراد ولا خلاف في هذا إلا وجها أشار إليه المتولي أنه لا يجوز أن يصلي في الذي لم يغسله ، وهذا ليس بشيء فلو لبسهما معا وصلى ففيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما الجواز ،

ولو كانت النجاسة في أحد كمين واشتبه ففي جواز الاجتهاد فيه الوجهان المذكوران في الكتاب بدليلهما أصحهما الجواز ، فلو فصل أحدهما جاز الاجتهاد فيهما بعد ذلك بلا خلاف ; لأنهما عينان متميزتان ، ويجري الوجهان فيما لو نجست إحدى يديه أو أحد أصابعه ، والأصح أنه لا يجوز الاجتهاد ، فلو اجتهد وغسل ما ظن نجاسته وصلى لم تصح على الأصح ولو غسل أحد كميه بالاجتهاد ثم فعله عن الثوب فجواز الصلاة فيما لم يغسله على الوجهين ، ولو أخبره ثقة بأن النجس هو هذا الكم فالمذهب أنه يقبل قوله ويغسله وحده ويصلي فيه ، وقال صاحب الحاوي فيه وجهان بناء على الوجهين في الاجتهاد فيهما إن جوزناه قبل قوله وإلا فلا ; لأنه تيقن النجاسة ولم يتيقن زوالها ، والصواب الأول .

( فرع ) لو تلف أحد الثوبين المشتبهين قبل الاجتهاد ففي جواز الصلاة في الآخر وجهان كنظيره في الإناءين إذا تلف أحدهما ، حكاهما الدارمي والمتولي وغيرهما أصحهما لا يجوز ،

ولو غسل أحد المشتبهين بغير اجتهاد فله الصلاة فيه ، وهل له الصلاة في الآخر ؟ قال المتولي فيه هذان الوجهان ; لأن المغسول أسقط فيه الاجتهاد ، فصار كالتالف والصحيح أنه لا يجوز .

( فرع ) إذا اشتبه ثوب طاهر بثوب نجس فلم يجتهد ، بل صلى في كل ثوب مرة تلك الصلاة ، قال المتولي وغيره : صلاته باطلة كما لو ترك الاجتهاد في القبلة وصلى أربع مرات إلى أربع جهات . وقال المزني لا يجوز الاجتهاد ، بل يلزمه أن يصلي في كل ثوب مرة كمن نسي صلاة من صلاتين يلزمه فعلهما ، دليلنا : أنه شرط للصلاة فأشبه القبلة ، ويخالف مسألة الناسي من وجهين . [ ص: 154 ] أحدهما : أن الاشتباه هناك في نفس الصلاة فوجب اليقين بأن يصليهما ، الفرض هنا متعين ، والاشتباه في شرط فأشبه القبلة . الثاني : أن هناك لا يؤدي إلى ارتكاب حرام بل غايته أن يصلي صلاة ليست عليه فتقع نافلة ، وهنا يؤدي إليه ; لأن الصلاة مع النجاسة حرام .

( فرع ) لو ظن بالاجتهاد طهارة ثوب من ثوبين أو أثواب وصلى فيه ثم دخل وقت صلاة أخرى ، هل يجدد الاجتهاد ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) وبه قطع المتولي يجدده ، كما يجدده في القبلة على الصحيح ( وأصحهما ) وبه قطع صاحب الحاوي لا يجدده قال : ويخالف القبلة فإنها تتغير بتغير المواضع ويختلف إدراكها باختلاف الأحوال ، فلو اجتهد وقلنا الاجتهاد واجب أو غير واجب فإن لم يتغير اجتهاده أو ظهر له طهارة الذي كان يظن طهارته أولا صلى فيه ، وإن تغير اجتهاده فظهر له طهارة الآخر لم تلزمه إعادة الصلاة الأولى بلا خلاف ، وكيف يصلي الآن ؟ فيه وجهان مشهوران في الحاوي ، وتعليق القاضي أبي الطيب والتتمة وغيرها ( أصحهما ) - وهو الذي صححه المتولي وغيره يصلي في الثوب الثاني وهو الذي ظهر له الآن أنه الطاهر ولا إعادة عليه ، كما إذا تغير اجتهاده في القبلة يصلي إلى الجهة الثانية بخلاف ما إذا تغير اجتهاده في مسألة الأواني ; لأنه في الأواني إن توضأ بالثاني ولم يغسل ما أصابه من الأول صلى بنجاسة قطعا ، وإن ألزمناه بغسله نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد ، وهذا ممتنع . ( والوجه الثاني ) وهو الذي صححه القاضي أبو الطيب وصاحب الحاوي : لا يجوز أن يصلي في واحد من الثوبين ، بل يصلي عريانا وتلزمه الإعادة كمسألة الأواني وهذا ضعيف ، والصحيح الأول بخلاف الأواني فإنه يؤدي إلى الصلاة بنجاسة أو نقض اجتهاد باجتهاد .

أما إذا تيقن أن الذي صلى فيه أولا كان نجسا وتيقن أن الثاني طاهر فيصلي في الثاني ، وفي وجوب إعادة الصلاة الأولى طريقان حكاهما الدارمي ( أحدهما ) القطع بالوجوب كمن صلى بنجاسة نسيها على طريقة العراقيين ، ( والثاني ) وهو المذهب ، وبه قطع الأكثرون : فيه القولان فيمن صلى بنجاسة جهلها أصحهما الوجوب والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية