صفحة جزء
باب صفة الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى ( إذا أراد أن يصلي في جماعة لم يقم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ; لأنه ليس بوقت للدخول في الصلاة والدليل عليه ما روى أبو أمامة : { أن بلالا أخذ في الإقامة فلما قال : قد قامت الصلاة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها ، وقال في سائر الإقامة مثل ما يقوله ، فإذا فرغ المؤذن قام } ) .


( الشرح ) حديث أبي أمامة رواه أبو داود بإسناد ضعيف جدا ، وقد سبق بيانه في أواخر باب الأذان حيث ذكره المصنف هناك ، وقول المصنف ( إذا أراد أن يصلي في جماعة ) احتراز من المنفرد فإنه يقوم أولا ، ثم يقيم قائما ، وقوله ( لأنه ليس بوقت للدخول ) يعني أنه لا يشرع الدخول فيها [ ص: 233 ] قبل الفراغ من الإقامة لا أنه لا يصح الدخول ، فإنها يصح الدخول فيها في أثناء الإقامة وقبلها ، وقوله : ( والدليل عليه ) يعني الدليل على أنه ليس بوقت ، للدخول ; لأن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تابعه في جميع ألفاظ الإقامة ولا يتابعه إلا قبل الدخول .

( أما حكم المسألة ) فمذهبنا أنه يستحب للإمام والمأموم أن لا يقوما حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، فإذا فرغ قاما [ قياما ] متصلا بفراغه ، قال القاضي أبو الطيب وبهذا قال مالك وأبو يوسف وأهل الحجاز وأحمد وإسحاق ، وقال أبو حنيفة والثوري : إذا قال المؤذن : حي على الصلاة نهض الإمام والمأمومون . فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر وكبروا وعن محمد بن الحسن روايتان كالمذهبين ، وقال ابن المنذر ، كان أنس بن مالك إذا قيل : قد قامت الصلاة وثب ، وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم بن عبد الله وأبو قلابة وعراك بن مالك والزهري وسليمان بن حبيب المحاربي يقومون إلى الصلاة في أول بدوه من الإقامة ، وبه قال عطاء وهو مذهب أحمد وإسحاق إذا كان الإمام في المسجد . وكان مالك لا يؤقت فيه شيئا ، هذا ما نقله ابن المنذر ووافقنا جمهور العلماء من السلف والخلف على أنه لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة نقله عنهم القاضي عياض واحتج لأبي حنيفة بما روي أن بلالا قال : قال النبي : صلى الله عليه وسلم { لا تسبقني بآمين } رواه أبو داود وعن الحجاج بن فروخ عن العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال : { كان بلال إذا قال : قد قامت الصلاة نهض النبي صلى الله عليه وسلم فكبر } رواه البيهقي ، قالوا : ولأنه إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ولم يكبر الإمام يكون كاذبا ، واحتج أصحابنا المحدثون منهم البيهقي والبغوي وغيرهما بحديث أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني } رواه البخاري ومسلم .

واحتج الجمهور بحديث أبي أمامة المذكور في الكتاب لكنه ضعيف ، قالوا : ولأنه دعاء إلى الصلاة فلم يشرع الدخول في الصلاة إلا بعد فراغه كالأذان . [ ص: 234 ] والجواب عن حديث بلال من وجهين أحسنهما - وهو جواب البيهقي والمحققين - أنه ضعيف روي مرسلا ، وفي رواية مسندا فإسناده ضعيف ليس بشيء وإنما رواه الثقات مرسلا ، ورواه الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال : قال بلال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تسبقني بآمين } قال البيهقي : فيرجع الحديث إلى أن بلالا كأنه كان يؤمن قبل تأمين النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا تسبقني بآمين " .

والجواب الثاني جواب الأصحاب أنه طلب ذلك حين عرض له حاجة خارج المسجد فسأل النبي صلى الله عليه وسلم التمهل ليدرك تأمينه ، الدليل على هذا أن بين قوله : قد قامت الصلاة وبين آخر الإقامة زمنا يسيرا جدا يمكنه إتمام الإقامة وإدراك أولها بل ما قبلها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ دعاء الافتتاح بعد تكبيره ثم يتعوذ ثم يشرع في الفاتحة ، فيتعين ما قلناه ، وأما حديث ابن أبي أوفى فضعيف . قال البيهقي . لا يرويه إلا حجاج بن فروخ ، وكان يحيى بن معين يضعفه ( قلت ) اتفقوا على جرح الحجاج هذا فقال ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين : ليس هو بشيء وقال أبو حاتم . هو شيخ مجهول ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال الدارقطني : متروك ، وهذه أوضح العبارات عندهم ، وفي الحديث ضعف من جهة أخرى وهي أن العوام بن حوشب لم يدرك ابن أبي أوفى كذا قاله أحمد بن حنبل وغيره ولم يسمع أحدا من الصحابة وإنما روايته عن التابعين . وأما قولهم : إنه يكون كاذبا فجوابه أن معناه قد قرب الدخول في الصلاة فهكذا قاله أهل العربية والفقهاء والمحدثون ، وهو مجاز مستعمل حسن كقول الله تعالى { فإذا بلغن أجلهن } أي قاربنه ، وفي الحديث { من وقف بعرفة فقد تم حجه } أي قارب التمام ، قال أصحابنا : ولأن ما ألزمونا به يلزمهم على مقتضاه تقديم الإحرام على قوله : قد قامت الصلاة والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب للمأموم والإمام أن لا يقوما حتى يفرغ المؤذن من الإقامة هكذا أطلقه المصنف والجمهور ، وقال صاحب الحاوي في آخر باب الأذان : ينبغي لمن كان شيخا بطيء النهضة أن يقوم عند قوله : قد قامت الصلاة ولسريع النهضة أن يقوم بعد الفراغ ليستووا قياما في وقت واحد .

[ ص: 235 ] فرع ) لو دخل المسجد وأراد الشروع في تحية المسجد أو غيرها ، فشرع المؤذن في الإقامة قبل إحرامه فليستمر قائما ولا يشرع في التحية للحديث الصحيح : { إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة } ولا يجلس للحديث الصحيح في النهي عن الجلوس قبل التحية ، وإذا استمر قائما لا يكون قد قام للصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة ، ; لأن هذا لم يبتد القيام لها ، صرح بهذه المسألة البغوي وغيره وهي ظاهرة ، وفي كتاب الزيادات لأبي عاصم أنه يجلس ، وهذا غلط نبهت عليه لئلا يغتر به .

( فرع ) إذا أقيمت الصلاة وليس الإمام مع القوم بل يخرج إليهم فقد نقل الشيخ أبو حامد عن مذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنهم يقومون عقب فراغ المؤذن من الإقامة ، وهذا مشكل ، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني } وفي رواية لمسلم " حتى تروني قد خرجت " فإن قيل : ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { كانت الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم مقامه } قلنا : معناه أنهم كانوا يقومون إذا رأوه قد خرج قبل وصوله مقامه يدل عليه حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال : { كان بلال يؤذن إذا دحضت ولا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه } . فإن قيل : ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال . { أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أقام في مصلاه } وذكر الحديث قلنا : هذا محمول على أنه كان في بعض الأوقات ، وكان الغالب ما في حديث جابر بن سمرة أو أنه أراد بقوله ( قبل أن يخرج إلينا ) أي قبل أن يصلنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية