صفحة جزء
[ ص: 555 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأما سجدة [ ص ] فهي عند قوله تعالى { وخر راكعا وأناب } وليست من سجدات التلاوة وإنما هي سجدة شكر لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقرأ ص فلما مر بالسجدة تشزنا بالسجود فلما قال : إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود فنزل وسجد } وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { سجدها نبي الله داود توبة ، وسجدناها شكرا } فإن قرأها في الصلاة فسجد فيها ففيه وجهان : ( أحدهما ) تبطل صلاته ; لأنها سجدة شكر فبطلت بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة ( والثاني ) لا تبطل ; لأنها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر سجدات التلاوة . )


( الشرح ) حديث أبي سعيد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري وقوله : تشزنا هو بتاء مثناة فوق ، ثم الشين المعجمة ، ثم زاي مشددة ثم نون مشددة أيضا أي تهيأنا ، وحديث ابن عباس رواه النسائي والبيهقي وضعفه ، قال أصحابنا : سجدة ( ص ) ليست من عزائم السجود معناه ليست سجدة تلاوة ولكنها سجدة شكر ، هذا هو المنصوص وبه قطع الجمهور . وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي هي سجدة تلاوة من عزائم السجود والمذهب الأول ، قال أصحابنا : إذا قلنا بالمذهب فقرأها في غير الصلاة استحب أن يسجد لحديث أبي سعيد هذا ، وحديث عمرو بن العاص السابق . وحديث ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص } رواه وإن قرأها في الصلاة ينبغي أن لا يسجد فإن خالف وسجد ناسيا أو جاهلا لم تبطل صلاته ، ولكن يسجد للسهو ، وإن سجدها عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته على أصح الوجهين ، وقد ذكرهما المصنف بدليلهما ، ولو سجد إمامه في ( ص ) لكونه يعتقدها فثلاثة أوجه أصحها : لا يتابعه ، بل إن شاء نوى مفارقته ; لأنه معذور ، وإن شاء ينتظره قائما كما لو قام إلى خامسة لا يتابعه ، بل إن شاء فارقه وإن شاء انتظره فإن انتظره لم يسجد [ ص: 556 ] للسهو ; لأن المأموم لا سجود عليه ( والثاني ) لا يتابعه أيضا وهو مخير في المفارقة والانتظار كما سبق فإن انتظره سجد للسهو بعد سلام الإمام ; لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلا ، وأن لسجود السهو توجها عليهما ، فإذا أخل به الإمام سجد المأموم .

( والثالث ) يتابعه في سجوده في ( ص ) حكاه الروياني في البحر لتأكد متابعة الإمام وتأويله والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء في حكم سجود التلاوة : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه سنة وليس واجبا ، وبهذا قال جمهور العلماء ، وممن قال به عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وابن عباس وعمران بن الحصين ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود و غيرهم رضي الله عنهم .

وقال أبو حنيفة رحمه الله : سجود التلاوة واجب على القارئ والمستمع ، واحتج له بقوله تعالى { فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } وبقوله تعالى { فاسجدوا لله واعبدوا } وبالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للتلاوة ، وقياسا على سجود الصلاة ، واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة منها حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : { قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد فيها } رواه البخاري ومسلم كما سبق بيانه . فإن قالوا : لعله سجد في وقت آخر قلنا : لو كان كذلك لم يطلق الراوي نفي السجود ، فإن قالوا : لعل زيدا قرأها بعد الصبح أو العصر ولا يحل السجود ذلك الوقت بالاتفاق ، قلنا : لو كان سبب الترك ما ذكروه لم يطلق زيد النفي وزمن القراءة ، ومن الدلائل حديث الأعرابي { خمس صلوات في اليوم والليلة قال : هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع } رواه البخاري ومسلم وسبق مرات ، واحتج به الشافعي في المسألة ، ومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال : " يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد [ ص: 557 ] عمر " وفي رواية قال : ( إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء ) روى البخاري الروايتين بلفظهما .

وهذا الفعل والقول من عمر رضي الله عنه في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب . ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به ولا معارض له ولا قدرة لهم على هذا ، وقياسا على سجود الشكر ، ولأنه يجوز سجود التلاوة على الراحلة بالاتفاق في السفر ، فلو كان واجبا لم يجز كسجود صلاة الفرض . وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها فهي أنها وردت في ذم الكفار وتركهم السجود استكبارا وجحودا ، والمراد بالسجود في الآية الثانية سجود الصلاة والأحاديث محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة والله أعلم .

( فرع ) في مذاهبهم في عدد سجدات التلاوة : قد ذكرنا أن مذهبنا الصحيح أنها أربع عشرة منها سجدتان في الحج ، وثلاث في المفصل وليست ( ص ) سجدة تلاوة ، وقال أبو حنيفة هي أربع عشرة ، لكنه أسقط الثانية من الحج وأثبت ( ص ) ، وعن مالك روايتان إحداهما أربع عشرة كقولنا وأشهرهما إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل . وعن أحمد روايتان إحداهما أربع عشرة كقولنا والثانية خمس عشرة ، فأثبت ( ص ) وهذا مذهب إسحاق بن راهويه وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي من أصحابنا كما سبق . وأجمعوا على السجدة الأولى في الحج ، واختلفوا في الثانية ، فمن أثبتها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وأبو موسى وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزر بن حبيش ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود رضي الله عنهم . قال ابن المنذر قال أبو إسحاق يعني السبيعي التابعي الكبير : " أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين " وحكى ابن المنذر عن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وجابر بن زيد وأصحاب الرأي إسقاطها ، وعن ابن عباس روايتان . قال ابن المنذر وبإثباتها أقول .

واختلف العلماء في سجدات المفصل وهي النجم ، و { إذا السماء انشقت } ، واقرأ ، فأثبتهن الجمهور من الصحابة فمن بعدهم وحذفهن جماعة ، [ ص: 558 ] احتج أصحابنا للمذهب بحديث عمرو بن العاص المذكور في الكتاب وهو صحيح كما بيناه ، وهو وإن كان فيه سجدة ( ص ) فهي محمولة على السجود فيها على أنه سجود شكر كما سنوضح دليله إن شاء الله تعالى . وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه سجد في { إذا السماء انشقت } وقال : { سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه } وفي رواية مسلم : " في { إذا السماء انشقت } ، و { اقرأ باسم ربك } " ومعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم سنة سبع من الهجرة ، وقد سبق أن حديث ابن عباس في { أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة } ليس بصحيح ، ولو صح قدمت عليه أحاديث أبي هريرة الصحيحة الصريحة المثبتة للسجود ، والعمدة في السجدة الثانية في الحج حديث عمرو بن العاص كما ذكرناه .

وأما حديث عقبة بن عاص قال : { قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : في الحج سجدتان ؟ قال : نعم ، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما } فرواه أبو داود والترمذي وقالا : ليس إسناده بالقوي ، وهو من رواية ابن لهيعة وهو متفق على ضعف روايته وإنما ذكرته لأبينه لئلا يغتر به ، وعن ابن عباس قال : { سجدة ص ليست من عزائم السجود ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها } رواه البخاري ، وفيها حديث أبي سعيد المذكور في الكتاب ، وقد بيناه والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية