صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا تكره الصلاة في هذه الأوقات بمكة ; لما روى أبو ذر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة } ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الطواف بالبيت صلاة } " ولا خلاف أن الطواف يجوز فكذلك الصلاة ) .


( الشرح ) : حديث أبي ذر ضعيف رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي وضعفه ويغني عنه حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار } " رواه أبو داود والترمذي في كتاب الحج والنسائي وابن ماجه وغيرهما في كتاب الصلاة ، وهذا لفظ الترمذي ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، قال البيهقي : يحتمل أن يكون المراد بالصلاة صلاة الطواف خاصة ، وهو الأشبه بالآثار ، ويحتمل جميع الصلوات ، قلت : ويؤيد الأول رواية أبي داود { لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت يصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار } " وأما حديث { الطواف بالبيت صلاة } فروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي موقوفا على ابن عباس وهو الأصح .

كذا قاله الحافظ ورواه الترمذي في آخر كتاب الحج عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير } " قال الترمذي : وروي عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفا قال : ولا نعرفه مرفوعا إلا من رواية عطاء بن السائب ، قلت : وعطاء ضعيف لا يحتج به والله أعلم .

( أما حكم المسألة ) فقال أصحابنا : لا تكره الصلاة بمكة في هذه الأوقات سواء في ذلك صلاة الطواف وغيرها ، هذا هو الصحيح المشهور عندهم وفيه وجه أنه إنما تباح صلاة الطواف حكاه الخراسانيون [ ص: 83 ] جماعة من العراقيين منهم الشيخ أبو حامد والبندنيجي والماوردي وحكاه صاحب الحاوي عن أبي بكر القفال الشاشي ، والمذهب الأول قال صاحب الحاوي : وبه قال أبو إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا . والمراد بمكة : البلدة وجميع الحرم الذي حواليها . وفي وجه إنما تباح في نفس البلدة دون باقي الحرم ، وفي وجه ثالث حكاه صاحب الحاوي عن القفال الشاشي إنما تباح في نفس المسجد الذي حول الكعبة ، لا فيما سواه من بيوت مكة وسائر الحرم ، والصحيح الأول ، صححه الأصحاب وحكاه صاحب الحاوي عن أبي إسحاق المروزي هذا تفصيل مذهبنا .

وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : لا تباح الصلاة بمكة في هذه الأوقات لعموم الأحاديث ، دليلنا حديث جبير ، والله أعلم .

( فرع ) في مسائل تتعلق بالباب ( إحداها ) اختلف أصحابنا في أن النهي حيث ثبت في هذه الأوقات هل هو كراهة تنزيه أم تحريم ؟ على وجهين : ( أحدهما ) : كراهة تنزيه ، وبه قطع جماعة تصريحا ، منهم البندنيجي في آخر باب الصلاة بالنجاسة ( والثاني ) ، وهو الأصح : كراهة تحريم لثبوت الأحاديث في النهي ، وأصل النهي للتحريم .

وقد صرح بالتحريم الماوردي في كتابه الإقناع ، وصاحب الذخائر وغيرهما

( الثانية ) لو أحرم بصلاة مكروهة في هذه الأوقات ففي انعقادها وجهان حكاهما الخراسانيون ( أصحهما ) عندهم : لا تنعقد كالصوم يوم العيد .

( والثاني ) : تنعقد كالصلاة في أعطان الإبل والحمام ، ولأن هذا الوقت تقبل الصلاة في الجملة بخلاف يوم العيد .

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - : مأخذ الوجهين أن النهي يعود إلى نفس الصلاة أم إلى أمر خارج ؟ قال : ولا يحملنا هذا على أن نقول : هي كراهة تحريم ; لأنه خلاف ما دل عليه إطلاقهم ، وذلك أن نهي التنزيه أيضا يضاد الصحة إذا رجع إلى نفس الصلاة ; لأنها لو صحت لكانت عبادة مأمورا بها ، والأمر والنهي الراجعان إلى نفس الشيء يتناقضان ، كما تقرر في أصول الفقه .

ولو نذر أن يصلي في هذه الأوقات ، فإن قلنا : تنعقد صح نذره ، وإلا فلا ، وإذا صح نذره فالأولى : أن يصلي في وقت آخر ، فإن صلى فيه أجزأه ، كمن نذر أن يضحي بشاة يذبحها [ ص: 84 ] بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بغير مغصوب ، فإن ذبح بالمغصوب عصى وأجزأه .

ولو نذر صلاة مطلقة فله أن يصليها في هذه الأوقات بلا خلاف لأن لها سببا .

التالي السابق


الخدمات العلمية