صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( السنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم ; لما روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله - تعالى وأكثرهم قراءة ، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا } وكان أكثر الصحابة رضي الله عنهم قراءة أكثرهم فقها ; لأنهم كانوا يقرءون الآية ، ويتعلمون أحكامها ولأن الصلاة تفتقر صحتها إلى القراءة والفقه فقدم أهلهما ( على غيرهما ) فإن زاد أحدهما في القراءة أو الفقه قدم على الآخر ، وإن زاد أحدهما في الفقه وزاد الآخر في القراءة فالأفقه أولى ; لأنه ربما حدث في الصلاة حادثة يحتاج إلى الاجتهاد فإن استويا في الفقه والقراءة ففيه قولان : قال في القديم : يقدم الأشرف ، ثم الأقدم هجرة ، ثم الأسن ، وهو الأصح ; لأنه قدم الهجرة على السن في حديث أبي مسعود البدري ، ولا خلاف أن الشرف مقدم على الهجرة ، فإذا قدمت الهجرة على السن ، فلأن يقدم عليه الشرف أولى ، وقال في الجديد : يقدم الأسن ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة ; لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 176 ] { صلوا كما رأيتموني أصلي وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم } ولأن الأكبر أخشع في الصلاة فكان أولى ; والسن الذي يستحق به التقديم السن في الإسلام ، فأما إذا شاخ في الكفر ثم أسلم لم يقدم على شاب نشأ في الإسلام ، والشرف الذي يستحق به التقديم أن يكون من قريش ، والهجرة أن يكون ممن هاجر من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أولادهم ، فإن استويا في ذلك فقد قال بعض المتقدمين : يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال : أحسنهم صورة ، ومنهم من قال : أراد أحسنهم ذكرا ) .


( الشرح ) حديث أبي مسعود رواه مسلم باللفظ الذي ذكرته هنا ، واسم أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري سكن بدرا ولم يشهدها في قول الأكثرين ، وقال المحمدون محمد بن شهاب الزهري ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي ومحمد بن إسماعيل البخاري : شهدها .

وأما حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { صلوا كما رأيتموني أصلي وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم } فرواه البخاري .

( أما حكم المسألة ) فقال أصحابنا : الأسباب المرجحة في الإمامة ستة : الفقه ، والقراءة ، والورع ، والسن ، والنسب ، والهجرة .

قالوا : وليس المراد بالورع مجرد العدالة الموجبة لقبول الشهادة ، بل ما يزيد على ذلك من حسن السيرة والعفة ومجانبة الشبهات ونحوها ، والاشتهار بالعبادة .

وأما السن فالمعتبر سن مضى في الإسلام فلا يقدم شيخ أسلم قريبا على شاب نشأ في الإسلام أو أسلم قبله ، وهذا متفق عليه عند أصحابنا ، وحجته رواية مسلم في صحيحه في حديث أبي مسعود فأقدمهم إسلاما بدل سنا ، والصحيح أنه لا يعتبر الشيخوخة ، بل يعتبر تفاوت السن لظاهر الحديث ، وأشار بعضهم إلى اعتبارها والصواب الأول ، وأما النسب فنسب قريش معتبر بالاتفاق ، وفي غيرهم وجهان : ( أحدهما ) : لا يعتبر غير قريش ، وأصحهما يعتبر كل نسب يعتبر في الكفاءة كالعلماء والصلحاء ، فعلى هذا يقدم الهاشمي والمطلبي على سائر قريش ، ويتساويان هما فيقدم سائر قريش على سائر العرب ، وسائر العرب على العجم .

واحتج البيهقي وغيره لاعتبار النسب بحديث أبي هريرة رضي الله عنه [ ص: 177 ] قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم } رواه مسلم ، وهذا الحديث ، وإن كان واردا في الخلافة فيستنبط منه إمامة الصلاة .

وأما الهجرة فيقدم من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من لم يهاجر ، ومن تقدمت هجرته على من تأخرت ، وكذا الهجرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من دار الحرب إلى دار الإسلام معتبرة هكذا ، وأولاد من هاجر أو تقدمت هجرته يقدمون على غيرهم ، هذا جملة القول في الترجيح ، فإن اختص واحد بأحد الأسباب مع الاستواء في الباقين من كل وجه قدم المختص ، ويقدم من له فقه وقراءة على من له أحدهما ، وكذا من له ثلاثة أسباب أو أكثر على من دونه .

وإن تعارضت الأسباب ففيه خمسة أوجه : ( أصحها ) عند جمهور أصحابنا ، وهو المنصوص الذي قطع به المصنف والأكثرون ونقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب أن الأفقه مقدم على الأقرأ والأورع وغيرهما ; لما ذكره المصنف ، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو ثور .

( والوجه الثاني ) : الأقرأ مقدم على الجميع ، وهو قول ابن المنذر من أصحابنا وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق .

( والثالث ) : يستوي الأفقه والأقرأ ولا ترجيح لتعادل الفضيلتين فيهما ، وهذا ظاهر نصه في المختصر .

( والرابع ) : يقدم الأورع على الأفقه والأقرأ وغيرهما ، قاله الشيخ أبو محمد الجويني ، وجزم به البغوي والمتولي ; لأن معظم مقصود الصلاة الخشوع والخضوع والتدبر ورجاء إجابة الدعاء ، والأورع أقرب إلى هذا ، وأما القراءة فهو عارف بالواجب منها ، والفقه يعرف منه المحتاج إليه غالبا ، أما ما يخاف حدوثه في الصلاة من فهم يحتاج إلى فقه كثير فأمر نادر ; لا يفوت مقصود الورع بأمر متوهم .

( والخامس ) : أن السن مقدم على الفقه وغيره حكاه الرافعي وهو غلط منابذ للسنة الصحيحة ولنص الشافعي والأصحاب والدليل ، وإذا استويا في [ ص: 178 ] الفقه والقراءة ففيه طرق ( أحدها ) : قاله الشيخ أبو حامد وآخرون يقدم السن والنسب على الهجرة فإن تعارض سن ونسب كشاب قرشي وشيخ غير قرشي فالجديد : تقديم الشيخ ، والقديم : الشاب ، واختار جماعة هذا القديم ( والطريق الثاني ) وجزم به المتولي والبغوي يقدم الهجرة على النسب والسن ، وأيهما يقدم ؟ فيه القولان ( والثالث ) : وهي طريقة المصنف وآخرين فيه قولان : ( الجديد ) : يقدم السن ثم النسب ثم الهجرة ( والقديم ) : يقدم النسب ثم الهجرة ثم السن .

وصحح المصنف القديم ، والمختار : تقديم الهجرة ثم السن لحديث أبي مسعود .

وأما حديث مالك بن الحويرث فإنما كان خطابا له ولرفقته ، وكانوا في النسب والهجرة والإسلام متساوين ، وظاهر الحديث في الصحيحين أنهم كانوا في الفقه والقراءة سواء ، فإنهم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا عنده عشرين ليلة فصحبوه صحبة واحدة واشتركوا في المدة والسماع والرؤية فالظاهر تساويهم في جميع الخصال إلا السن ، فلهذا قدمه ، وهذه قضية غير محتملة ; لما ذكرته أو هو متعين فلا يترك حديث أبي مسعود الصريح المسوق لبيان الترجيح بهذا والله أعلم .

قال أصحابنا : فإن تساويا في جميع الصفات الست قدم بنظافة الثوب والبدن على الأوساخ ، وبطيب الصنعة وحسن الصوت وشبهها من الفضائل ، ونقل المصنف والأصحاب عن بعض متقدمي العلماء أنه يقدم أحسنهم ، فقيل : أحسنهم وجها وقيل : أحسنهم ذكرا هكذا حكاه المصنف والأصحاب قال القاضي أبو الطيب : هذان التقسيمان وجهان : لأصحابنا ( أصحهما ) الثاني ، وقال المتولي : يقدم بنظافة الثوب ، ثم حسن الصوت ثم حسن الصورة ، والمختار : تقديم أحسنهم ذكرا ثم أحسنهم صوتا ثم حسن الهيئة وروى البيهقي حديثا أشار إلى تضعيفه عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل فإن كانوا في القراءة سواء فأكبرهم سنا ، فإن كانوا في [ ص: 179 ] السن سواء ، فأحسنهم وجها } وينكر على المصنف كونه حكاه عن بعض المتقدمين مع أنه حديث مرفوع ، وإن كان ضعيفا ، وحكى الشيخ أبو حامد - وجها : أنه يقدم الأحسن وجها على الأورع والأكثر طاعة ، وهذا الوجه غلط فاحش جدا ، والله أعلم .

، قال أصحابنا : وإذا تساويا من كل وجه وسمح أحدهما بتقديم الآخر ، وإلا أقرع ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية