صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجوز الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث والقرظ وغير ذلك مما يعمل عمله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أليس في الماء والقرظ ما يطهره ؟ } فنص على القرظ لأنه يصلح الجلد ويطيبه فوجب أن يجوز بكل ما عمل عمله ) .


( الشرح ) هذا الحديث حديث حسن رواه الإمامان الحافظان أبو الحسن بن عمر الدارقطني وأبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في سننهما من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال : { مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة فقال : هلا انتفعتم بإهابها ؟ قالوا : يا رسول الله إنها ميتة قال : إنما حرم أكلها ، أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها ؟ } ورواه أبو داود والنسائي في سننهما بمعناه عن ميمونة رضي الله عنها قالت : { مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجال يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال صلى الله عليه وسلم [ ص: 277 ] لو أخذتم إهابها ؟ قالوا : إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطهرها الماء والقرظ } . هكذا جاءت روايات الحديث بطهرها بالتأنيث ووقع في المهذب " يطهره " وهو تحريف ، وإن كان معناه صحيحا ، والقرظ بالظاء لا بالضاد . وهذا وإن كان واضحا فلا يضر التنبيه عليه فإنه يوجد في كثير من كتب الفقه مصحفا . والقرظ : ورق شجر السلم بفتح السين واللام ومنه أديم مقروظ أي : مدبوغ بالقرظ ، قالوا : والقرظ ينبت بنواحي تهامة ، وأما الشث فضبطها في المهذب بالثاء المثلثة ، ووقعت هذه اللفظة في كلام الشافعي فقال الأزهري : هو الشب بالباء الموحدة وهو من الجواهر التي جعلها الله تعالى في الأرض يدبغ به يشبه الزاج قال : والسماع فيه الشب يعني بالموحدة وقد صحفه بعضهم فقال الشث يعني بالمثلثة قال : والشث بالمثلثة شجر مر الطعم لا أدري أيدبغ به أم لا ؟ هذا كلام الأزهري وتابعه عليه صاحب الشامل والبحر . وذكره الإمام أبو الفرج الدارمي بالمثلثة . وفي صحاح الجوهري الشث بالمثلثة : نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به . وفي تعليق الشيخ أبي حامد قال أصحابنا : الشث يعني بالمثلثة ، قال : وقاله الشافعي بالموحدة ، قال : وقد قيل الأمران ، وأيهما كان فالدباغ به جائز ، وصرح القاضي أبو الطيب في تعليقه وآخرون بأنه يجوز بالشب والشث جميعا وهذا لا خلاف فيه .

واعلم أنه ليس للشب ولا الشث ذكر في حديث الدباغ وإنما هو من كلام الإمام الشافعي رحمه الله فإنه قال رحمه الله : والدباغ بما كانت العرب تدبغ به وهو الشث والقرظ ، هذا هو الصواب ، وقد قال صاحب الحاوي وغيره : جاء في الحديث النص على الشث والقرظ ، كذا نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب فإنه قال في تعليقه : الذي وردت به السنة ثم ذكر حديث ميمونة الذي قدمته وقال : هذا هو الذي أعرفه مرويا ، قال : وأصحابنا يروون : { يطهره الشث والقرظ } وهذا ليس بشيء . [ ص: 278 ]

واعلم أن الدباغ لا يختص بالشب والقرظ ، بل يجوز بكل ما عمل عملها كقشور الرمان والعفص وغير ذلك مما في معناه ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يجوز الدباغ بكل شيء قام مقام القرظ من العفص وقشور الرمان وغيرهما إذا نظف الفضول واستخرجها من باطن الجلد وحفظه من أن يسرع إليه الفساد ، قال : والمرجع في ذلك إلى أهل الصنعة ، هذا هو المذهب وهو الذي نص عليه الشافعي كما قدمته ، وبه قطع المصنف والجماهير في جميع الطرق ، وذكر بعض العراقيين فيه قولين ( أحدهما ) هذا ( والثاني ) لا يجوز بغير الشب والقرظ كما يختص ولوغ الكلب بالتراب على أحد القولين . وقد حكى الرافعي أيضا وجها في اختصاصه بالشث والقرظ وحكاه الماوردي عن أهل الظاهر ، وهو غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الدباغ وكانت العرب تدبغ بأنواع مختلفة فوجب جوازه بكل ما حصل به مقصود الدباغ . والفرق بينه وبين ولوغ الكلب أن الدباغ إحالة فحصل بما تحصل به الإحالة ، والولوغ إزالة نجاسة دخلها التعبد فاختصت بالتراب كالتيمم ولا تفريع على هذا الوجه ، وإنما التفريع على المذهب وهو جواز الدباغ بكل ما حصل به مقصوده . قال أصحابنا في الطريقتين ولا يحصل بتشميس الجلد ونص عليه الشافعي وفي وجه شاذ يجوز ، حكاه الرافعي وهو مذهب أبي حنيفة ، وأما التراب فالمذهب الصحيح أنه لا يحصل الدباغ به ونص عليه الشافعي وقطع به الجمهور ، ممن قطع به الشيخ أبو حامد والمحاملي في كتابيه وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي في كتابه رءوس المسائل والقاضي حسين والفوراني وابن الصباغ وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وخلائق آخرون من العراقيين والخراسانيين وفيه وجه شاذ أنه يحصل حكاه أبو العباس الجرجاني في التحرير ورجحه . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أبو علي الطبري في الإفصاح : نص الشافعي على أن الدباغ لا يحصل بالتراب والرماد قال القاضي : ولم أر للشافعي في هذا نصا ، والمرجع في ذلك إلى أهل الصنعة فإن كان للتراب والرماد هذا الفعل حصل الدباغ بهما ، وأما الملح فنقل أبو علي الطبري [ ص: 279 ] في الإفصاح أن الشافعي رحمه الله نص أنه لا يحصل به الدباغ ، وبه قطع صاحب الشامل ، وقطع إمام الحرمين بالحصول .

( فرع ) لو دبغه بعين نجسة كذرق الحمام وغيره أو بمتنجس كقرظ أصابته نجاسة أو دبغه بماء نجس فهل يحصل به الدباغ ؟ فيه وجهان مشهوران في الطريقتين أصحهما عند الأصحاب الحصول ، وبه قطع ابن الصباغ والبغوي ، لأن الغرض تطيب الجلد وإزالة الفضول ، وهذا حاصل بالنجس كالطاهر ( والثاني ) لا يحصل لأن النجس للتطهير ، فإن قلنا بالأصح وجب غسله بعد حصول الدباغ بلا خلاف ويكون نجسا بالمجاورة بخلاف ما لو دبغه بطاهر ، فإنه لا يجب غسله على أحد الوجهين كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

( فرع ) لا يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل لأن ما طريقه إزالة النجاسة لا يفتقر إلى فعل كالسيل إذا مر على نجاسة فأزالها ، فإنه يطهر محلها بلا خلاف . فلو أطارت الريح جلد ميتة فألقته في مدبغة فاندبغ صار طاهرا ذكره الماوردي وغيره وهو واضح . .

( فرع ) لو أخذ جلد ميتة لغيره فدبغه طهر ولمن يكون ؟ فيه أوجه ( أحدها ) للدابغ كمن أحيا مواتا بعد أن تحجره غيره فإنه للمحيي ( والثاني ) لصاحب الميتة لتقدم حقه ( والثالث ) إن كان رفع يده عنه ثم أخذه الدابغ فهو للدابغ ، وإن كان غصبه فللمغصوب منه ، وهذا الثالث هو الأصح ، وستأتي هذه الأوجه مبسوطة إن شاء الله تعالى في أواخر كتاب الغصب حيث ذكرها المصنف ، وإنما أشرت إليها لما قدمته في الخطبة أنه متى أمكن تقديم مسألة لنوع ارتباط قدمتها ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية