صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ( وصلاته ركعتان كصلاة العيد . ومن أصحابنا من قال : يقرأ في الأولى ب ( ق ) وفي الثانية بسورة ( نوح ) صلى الله عليه وسلم لأن فيها ذكر الاستسقاء ، والمذهب أنه يقرأ فيها ما يقرأ في العيد لما روي أن مروان أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سنة الاستسقاء فقال : { سنة الاستسقاء الصلاة في العيدين ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداء فجعل يمينه يساره ، ويساره يمينه وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ ب سبح اسم ربك الأعلى ، وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية ، وكبر خمس تكبيرات } ) .


( الشرح ) حديث ابن عباس ضعيف ، رواه الدارقطني بإسناده عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن طلحة بن [ ص: 76 ] عبد الله بن عوف قال : أرسلني مروان فذكره . ومحمد هذا ضعيف ، قال ابن أبي حاتم في كتابه : سألت أبي عنه فقال هم ثلاثة إخوة : محمد وعبد الله وعمران بنو عبد العزيز والثلاثة ضعفاء ليس لهم حديث مستقيم ، وقد يقال : لا دلالة في الحديث لو صح فإنه ليس مطابقا لما ادعاهالمصنف ، فإنه قال : قرأ ب ( سبح ) و ( هل أتاك ) ، ودعوى المصنف أنه يقرأ ( ق ) و ( اقتربت ) . وجوابه أن صلاة العيد شرع فيها ( ق ) و ( اقتربت ) ، وشرع أيضا ( سبح ) و ( هل أتاك ) ، وكلاهما سنة ثابتة في صحيح مسلم ، وسبق بيانه في صلاة العيد ، فذكر ابن عباس أحد المشروعين في صلاة العيد ولم يذكر سورة ( نوح ) ، بخلاف ما ادعاه صاحب الوجه الآخر والله أعلم .

( أما الأحكام ) فقال الشافعي والأصحاب : صفة هذه الصلاة أن ينوي صلاة الاستسقاء ويكبر ركعتين مثل صلاة العيد ، فيأتي بعد تكبيرة الإحرام بدعاء الاستفتاح ، ثم يكبر سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمس تكبيرات زائدة ثم يتعوذ ثم يقرأ الفاتحة ، ويذكر الله تعالى بين كل تكبيرتين من السبع والخمس الزوائد كما سبق في صلاة العيد ، ويرفع يديه حذو منكبيه مع كل تكبيرة ويجهر بالقراءة ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة ( قاف ) ، وفي الثانية ( اقتربت الساعة ) . هكذا نص عليه الشافعي وقاله جمهور الأصحاب . وحكى المصنف وغيره وجها لبعض الأصحاب يستحب في الأولى ( قاف ) وفي الثانية ( إنا أرسلنا نوحا ) ، ونص الشافعي أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيد . قال : وإن قرأ ( إنا أرسلنا نوحا ) كان حسنا . هذا نصه في الأم : وهو مشهور في كتب الأصحاب عن نصه . قال الرافعي : هذا يقتضي أن لا خلاف في المسألة ، وأن كلا سائغ ، قال : ومنهم من قال : في الأفضل خلاف الأصح أنه يقرأ ما يقرأ في العيد ( قلت ) اتفق أصحابنا المصنفون على أن الأفضل أن يقرأ ما يقرأ في العيد .

وأما قول صاحب الحاوي قال أصحابنا : لو قرأ في الثانية { إنا أرسلنا نوحا } كان حسنا فلا يخالف ما ذكرناه لأنه بلفظ نص الشافعي . ومعنى قوله : إنه كان حسنا . أنه مستحسن لا كراهة فيه ، وليس فيه أنه أفضل من ( اقتربت الساعة ) . [ ص: 77 ] قال صاحب الحاوي وغيره : لو حذف التكبيرات أو زاد فيهن أو نقص منهن صحت صلاته ولا يسجد للسهو ، ولو أدركه مسبوق في أثناء التكبيرات الزائدة أو بعد فراغها ، فهل يقضي المأموم التكبيرات ؟ فيه القولان السابقان في صلاة العيد ، الصحيح الجديد لا يقضي ، هكذا صرح به القاضي أبو الطيب وإمام الحرمين والأصحاب ، وقال الشيخ أبو حامد وغيره : حكم التكبيرات هنا على ما سبق في تكبيرات صلاة العيد وفاقا وخلافا .

( فرع ) في وقت صلاة الاستسقاء ثلاثة أوجه ( أحدها ) وقتها وقت صلاة العيد ، وبهذا قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني وصاحبه المحاملي في كتبه الثلاثة ، المجموع والتجريد والمقنع ، وأبو علي السنجي والبغوي ، وقد يستدل له بحديث ابن عباس السابق ولكنه ضعيف .

( والوجه الثاني ) أول وقت صلاة العيد ويمتد إلى أن يصلي العصر وهو الذي ذكره البندنيجي والروياني وآخرون .

( والثالث ) وهو الصحيح بل الصواب أنها لا تختص بوقت بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار ، إلا أوقات الكراهة على أحد الوجهين . وهذا هو المنصوص للشافعي ، وبه قطع الجمهور وصححه المحققون ، ممن قطع به صاحبا الحاوي والشامل وصاحب التتمة وآخرون ، وصححه الرافعي في المحرر وغيره ، ونقله صاحب الشامل وصاحب جمع الجوامع في نصوص الشافعي عن نص الشافعي ، واستصوبه إمام الحرمين وقال : لم أر التخصيص بوقت لغير الشيخ أبي علي السنجي ، واستدلوا له بأنها لا تختص بيوم فلا تختص كصلاة الاستخارة وركعتي الإحرام وغيرهما ، وليس لتخصيصها بوقت صلاة العيد وجه أصلا فلا يغتر بوجوده في الكتب التي أضافته إليها ، فإنه مخالف للدليل ولنص الشافعي ولأكثر الأصحاب .

فإن قيل : فقد قال الشافعي في الأم في آخر باب " كيف صلاة الاستسقاء قبل الزوال ؟ " يصليها بعد الظهر وقبل العصر ، هذا نصه ، وظاهره مخالف للأصح .

( والجواب ) أن هذا صريح في أنها لا تختص بوقت صلاة العيد ، [ ص: 78 ] ومراد الشافعي أنه يصليها بعد الظهر ولا يصليها بعد العصر لأنه وقت كراهة الصلاة ، وقد سبق أن صلاة الاستسقاء لا تصلى في وقت النهي على الأصح فنصه موافق للصحيح وهو أنها لا تختص بوقت أصلا .

التالي السابق


الخدمات العلمية