صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وأما العظم والسن والقرن والظلف والظفر ففيه طريقان : من أصحابنا من قال : هو كالشعر والصوف ; لأنه لا يحس ولا يألم ، ومنهم من قال : ينجس قولا واحدا ) .


( الشرح ) هذان الطريقان مشهوران ، المذهب منهما عند الأصحاب القطع بالنجاسة ، وقد تقدم دليل المسألة ومذاهب العلماء فيها في مسألة الشعر ، والقائل بأنه على الخلاف هو أبو إسحاق المروزي ، قال أصحابنا : وقوله لأنه لا يحس ولا يألم غير مسلم ، فإن السن تضرس والعظم يحس ، قال أصحابنا : حكم الظفر حكم العظم والظلف والقرن ، هذا في غير الآدمي ، وأما أجزاء الآدمي فتقدم بيانها في مسألة الشعر ، وأما خف البعير الميت فنجس بلا خلاف .

( فرع ) العاج المتخذ من عظم الفيل نجس عندنا كنجاسة غيره من العظام ، لا يجوز استعماله في شيء رطب ، فإن استعمل فيه نجسه ، قال أصحابنا : ويكره استعماله في الأشياء اليابسة لمباشرة النجاسة ، ولا يحرم ; لأنه لا يتنجس به ، ولو اتخذ مشطا من عظم الفيل فاستعمله في رأسه أو لحيته فإن كانت رطوبة من أحد الجانبين تنجس شعره ، وإلا فلا ولكنه يكره ولا يحرم ، هذا هو المشهور للأصحاب . ورأيت في نسخة من تعليق الشيخ أبي حامد أنه قال : ينبغي أن يحرم ، وهذا غريب ضعيف . قلت : وينبغي أن يكون الحكم هكذا في استعمال ما يصنع ببعض بلاد [ ص: 299 ] حوران من أحشاء للغنم على هيئة الأقداح والقصاع ونحوها لا يجوز استعماله في رطب ، ويجوز في يابس مع الكراهة ، قال الروياني : ولو جعل الدهن في عظم الفيل للاستصباح أو غيره من الاستعمال في غير البدن فالصحيح جوازه ، وهذا هو الخلاف في جواز الاستصباح بزيت نجس ; لأنه ينجس بوضعه في العظم . هذا تفصيل مذهبنا في عظم الفيل ، وإنما أفردته عن العظام كما أفرده الشافعي ثم الأصحاب ، قالوا : وإنما أفرده لكثرة استعمال الناس له ، ولاختلاف العلماء فيه ، فإن أبا حنيفة قال بطهارته بناء على أصله في كل العظام ، وقال مالك في رواية : إن ذكي فطاهر وإلا فنجس ، بناء على رواية له أن الفيل مأكول ، قال إبراهيم النخعي : إنه نجس لكن يطهر بخرطه ، وقد قدمنا دليل نجاسة جميع العظام وهذا منها ، ومذهب النخعي ضعيف بين الضعف . والله أعلم .

( فرع ) قال صاحب الشامل وغيره من أصحابنا في هذا الموضع : سئل فقيه العرب عن الوضوء من الإناء المعوج فقال : إن أصاب الماء تعويجه لم يجز وإلا فيجوز ، والإناء المعوج هو المضبب بقطعة من عظم الفيل ، وهذا صحيح ، والصورة فيما دون القلتين . وفقيه العرب ليس شخصا بعينه وإنما العلماء يذكرون مسائل فيها ألغاز وملح ينسبونها إلى فتيا فقيه العرب ، وصنف الإمام أبو الحسين بن فارس كتابا سماه فتيا فقيه العرب ، ذكر فيه هذه المسألة وأشد إلغازا منها

( فرع ) ويجوز إيقاد عظام الميتة غير الآدمي تحت القدور وفي التنانير وغيرها ، صرح به صاحب الحاوي والجرجاني في كتابيه التحرير والبلغة والروياني وغيرهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية